تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٧١ - دلج دلج
احتاجَ الأَعْشَى إِلى اشتراطه بعدَ المنامِ، و زُهَيْرٌ إِلى سَحَرِه، و هََذا بمنزلة قولِهم: الإِبْكارُ و الابْتِكَارُ و التَّبكيرُ و البُكُورُ في أَنَّه كُلَّه العملُ بُكْرَةً و لا يَتَغَيَّرُ الوقتُ بتغْيِيرِ هََذه الأَمثلةِ و إِن اخْتلفتْ مَعانِيهَا، و احتجاجُهم ببيتِ الأَعشى و زُهَيْرٍ وَهَمٌ و غَلَطٌ، و إِنما كلّ واحدٍ من الشاعريْنِ وَصَفَ ما فَعَلَه دونَ ما فَعَلَه غيرُه، و لو لا أَنّه يكونُ بسُحْرَة و بِغَيْرِ سُحْرَة لما احتاجَ إِلى ذِكْر سُحْرةٍ، فإِنه إِذا كان الادِّلاَجُ بسُحْرَة و بَعْدَ المَنَامِ فقد استغنَى عن تقييده، قال: و مما يُوضِّح فَسادَ تَأْويِلهم أَنّ العَرَب تُسَمِّي القُنْفُذَ مُدْلِجاً ، لأَنّه يَدْرُج باللَّيْلِ، و يَتَرَدَّدُ فيه، لا لأَنه لا يَدْرُج إِلاّ في أَوَّلِ الليل أَو في وَسَطِه أَو في آخِرِه، أَو في كُلِّه، و لََكنّه يَظهَرُ باللَّيْلِ في أَيِّ أَوقاتِه احتاجَ إِلى الدُّرُوجِ لِطَلَبِ عَلَفٍ أَو ماءٍ أَو غيرِ ذََلك، قال شيخُنَا: قال أَبو جعفر اللَّبْلِيُّ في شَرْحِ نظمِ الفصيحِ: هََذا كلامُ ابنِ دُرُسْتَوَيْهِ في رَدِّ كَلامِ ثَعلبٍ و مَن وافقَه من اللُّغوِيّين.
قلت ١- و أَنْشَدُوا لعَلِيٍّ رضي اللََّه عنه
اصْبِرْ عَلَى السَّيْرِ و الإِدْلاجِ فِي السَّحَرِ # و فِي الرَّوَاحِ عَلَى الحَاجَاتِ و البُكَرِ.
فجَعَلَ الإِدْلاَج في السَّحِر. و يُنْظَر هََذا مع قول المُصَنِّف: الإِدْلاجُ في أَوَّلِ اللّيلِ:
و أَما قولُ الشَّمَّاخِ:
و تَشْكُو بِعَيْنٍ مَا أَكَلَّ رِكَابَها # و قِيلَ المُنَادِي: أَصْبَحَ القَوْمُ أَدْلِجِي
فَتَهَكُّمٌ و تَشنِيعٌ، كما يقول القائل: أَصبحْتُم، كيفَ [١]
تنامون، قاله ابنُ قُتَيبةَ.
قال شيخُنا: و الصَّوَابُ في الفَرْق أَنّه إِن ثَبَتَ عن العربِ عُموماً أَو خُصوصاً فالعَمَلُ على الثابِت عنهم، لأَنّهم أَئمّة اللّسانِ، و فُرْسَانُ المَيْدَانِ، و لا اعتدادَ بما تَعلَّق بهِ ابنُ دُرُستَوَيْهِ وَ من وافَقَه مِن الأَبحاثِ في الأَمثلة، فالبحث فيها ليس من دأْبِ المُحَقِّقين كما تَقَرَّرَ في الأَصول، و إِن لم يَثْبُتْ ذََلك و لا نُقِل عنهم، و إِنما تَفقَّه فيه بعضُ النّاظرِين في أَشعارِ العَربِ اعتماداً على هََذه الشّواهِد، فلا يُلْتَفَتُ إِلى ذََلك و لا يُعْتَدُّ به في هذه المَشاهِدِ.
و دَلَجَ السَّاقِي يَدْلِجُ ، و يَدْلُج بالضّمّ، دُلُوجاً : أَخذَ الغَرْبَ مِن البِئرِ فجاءَ بها إِلى الحَوْض، قال الشاعر:
لَهَا مِرْفَقَانِ أَفْتَلاَنِ كأَنَّمَا # أَمِرَّا بِسَلْمَىْ دَالِجٍ مُتَشَدِّدِ
و الدَّالِجُ : الّذي يَتَرَدَّدُ بينَ البِئر و الحَوْضِ بالدَّلْوِ يُفْرِغُها فيه، قال الشاعر:
بَانَتْ يَدَاهُ عَنْ مُشَاشِ وَالِجِ # بَيْنُونَةَ السَّلْمِ بِكَفِّ الدَّالِجِ [٢]
و قيل: الدَّلْجُ : أَن يَأْخُذَ الدَّلْوَ إِذا خَرَجَتْ فيَذْهَبَ بها حيثُ شاءَ، قال:
لَوْ أَنَّ سَلْمَى أَبْصَرَتْ مَطَلِّي # تَمْتَحُ أَوْ تَدْلِجُ أَوْ تُعَلِّي
التَّعْلِيَةُ: أَن يَنْتَأَ بعْضُ الطَّيِّ في أَسفَلِ البِئرِ فيَنْزِلَ رَجلٌ في أَسفلِها فيُعَلِّيَ الدَّلْوَ عن الحَجَرِ النَّاتيءِ.
و في الصّحاح: و الدّالِجُ : الذي يَأْخُذُ الدَّلْوَ و يَمْشِي بِها مِنَ رَأْسِ البِئرِ إِلى الحَوْضِ لِيُفَرِّغَها فيه. و ذََلِك المَوْضِعُ مَدْلَجٌ و مَدْلَجَةٌ و من سجعاتِ الأَساس:
و بَاتَ يَجُولُ بينَ المَدْلَجَةِ و المَنْحَاةِ. المَدْلَجَةُ [٣] و المَدْلَجُ :
ما بَيْنَ البِئر و الحَوْضِ. و المَنْحَاةُ مِنْ البئرِ إِلى مُنْتَهى السانِيَةِ.
قال عَنْتَرَةُ:
كأَنَّ رِمَاحَهُمْ أَشْطَانُ بِئْرٍ # لَهَا فِي كُلِّ مَدْلَجَة خُدُودُ
و الدَّالِجُ أَيضاً: الذي يَنْقُلُ اللَّبَنَ إِذا حُلِبَتِ الإِبِلُ إِلى الجِفَانِ، و قَدْ دَاجَ السَّاقِي يَدْلِجُ و يَدْلُجُ ، بالضّمٍ دُلُوجاً ، بالضّمّ.
[١] اللسان: «كم».
[٢] للراجز جندل بن المثنى أرجاز على هذا الوزن، لعل الرجز هذا له أيضاً.
[٣] في الأساس: فالمدلجة.
ـ