تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٠ - بهت بهت
قلت: قال ابنُ سيدَهْ: و عندي أَنَّ بُهوتاً جمعُ باهتِ ، لا جمعُ بَهُوت ، لأَنّ فاعِلاً ممّا يُجْمَعُ على فُعُولٍ، و ليس فَعُولٌ ممّا يُجمع على فُعُولٍ. قال: فأمّا ما حكاه أَبو عُبَيْدٍ، من أَنَّ عُذُوباً جمعُ عَذُوبٍ، فَغَلَطٌ، إنّمَا هو جمع عاذِبٍ.
فأَمّا عَذُوبٌ، فجمعُه عُذُبٌ، اهـ.
و ابْنُ بَهْتَةَ ، بتسكين الهَاء، و قَدْ يُحَرَّكُ : أَبو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ بَهْتَةَ مُحَدِّث، عن أَبي مسلمٍ الكَجِّيّ و ابنه أَبو الحسن محمّد بن عُمَرَ، عن المَحَامِليّ [١] ، هكذا قيَّدَهُ الأَمير بَهْتَة بالفتح، و مثلُه للصّاغانيّ، و هو في تاريخ الخَطيب بالتَّحْريك مُجَوَّدُ الضَّبْط.
و قَوْلُ الجَوْهَرِيّ: فابْهَتِي عليها [٢] ، أَي: فابْهَتِيها ، لأَنَّهُ لا يُقال: بَهَتَ عَلَيْه عَلى ما تقدَّم تَصْحِيفٌ و تحريف، و الصَّوابُ: فانْهَتِي عَلَيْهَا بالنُّونِ، لا غَيْرُ [٣] . و لنذكر أَوَّلاً نصَّ عبارةِ الجَوْهَرِيّ، ثم نتكلّم عليه. قال: و أَمّا قولُ أَبي النَّجْم:
سُبِّي الحمَاةَ و ابْهَتِي عَلَيْهَا
فإِنَّ «عَلى»مُقْحَمَةٌ، لا يُقَال: بَهَتَ عليه، و إِنّما الكلامُ بَهَتَه ، انتهى. فبَيَّنَ أَنَّه قولُ أَبي النَّجْمِ، و أَنه «و ابْهَتِي » بالواو دُونَ الفَاءِ.
قال شيخنا: قد سبقه إِليه ابنُ بَرّيّ، و الصّاغانيُّ، و غيرُهما. و رواه المصنِّف على ما أَثبت في صِحاحه. فإن كانت روايةً ثابتةً، فلا يُلْتَفَتُ لِدَعوَى التَّصحيف؛ لأَنّها في مثله غير مسموعة و الحذف و الإيصال بابٌ واسع لمُطْلَق النحَاة و أَهل اللّسَان، فضلاً عن العرب الّذين هم أَئمّة الشّأْن. و إِنْ لم تَثْبُت الرِّواية كما قال، و صَحَّت الرّواية معهم، ثبتَ التَّصحِيفُ حينئذٍ بالنَّقْل، لا لأَنّه يُقَالُ، كما قال: و ليس عندي جَزْمٌ في الرِّواية حتى أُفصِّلَ قوليهما، و أَنظُرَ ما لهما و ما عليهما؛ و إِنما ادِّعَاءُ التَّحْرِيف بمُجَرَّد أَنَّه لا يَتعدَّى بَهَتَ بعلَى، دَعوَى خاليةٌ عن الحُجَّة، انتهى.
قلت: و أَمَّا نصُّ ابْنِ بَرِّيّ في حواشيه على ما نقلَه عن ابنُ منظور و غيره: زعم الجوهَرِيّ أَنّ «على»في البيت مُقْحَمَةٌ، أَي زائدة؛ قال: إنّما عَدَّى ابْهَتِي بعَلَى، لأَنّه بمعنى: افْتَرِي عليها، و البُهْتَانُ : افتراءٌ، و قال: و مثلُه ممّا عُدِّيَ بحرف الجَرّ، حَمْلاً على معنَى فِعْلٍ يُقَارِبُه بالمعنى، قولُه عزّ و جلّ: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [٤]
تقديرُه: يَخْرجونَ عن أَمْرِه؛ لأَن المخَالفةَ خُروجٌ عن الطّاعة.
قال: و يجب على قول الجوهريّ أَنْ تُجْعَلَ «عَنْ»في الآية زائدة، كما جعل «على»في البيت زائدة. و عن، و على: ليستا ممّا يزدادُ كالباءِ، انتهى. و هو قولُ أَبي النَّجْمِ يُخَاطب امرأَتَه [٥] ، و بعدَه:
فإِنْ أَبتْ فازْدَلِفي إِلَيْهَا # و أَعْلِقِي يديْكِ في صُدْغَيْهَا [٦]
ثمّ اقْرَعِي بالوَدِّ مِرْفَقَيْهَا # و رُكْبتَيْهَا و اقْرَعِي كَعْبَيْهَا
و ظاهِري النَّذْرَ به عَلَيْهَا [٧] # لا تُخْبري الدهْرَ به إِبْنَيْهَا [٨]
هكذا أَنشده الأَصمعيّ:
*و ممّا يُسْتَدْرَكُ عليه:
بَهَتَ الفَحْلَ عن النَّاقَة: نَحَّاه، لِيَحْمِلَ عليهَا فَحْلٌ أَكرمُ منه.
[١] هو أبو عبد اللّه الحسين بن إسماعيل المحاملي قاضي الكوفة مات سنة ٣٣٠ (الأنساب للسمعاني) .
[٢] يريد قول أبي النجم:
سُبّي الحماة و ابهتي عليها
و سيرد بعد أسطر، و قد نقله الجوهري في الصحاح و عقّب عليه، و هي ليست عبارته. و انظر اللسان و التكملة.
قال المبرد في الكامل: إنما يريد ابهتيها، فوضع ابهتي في موضع اكذبي ثم وصلها بعلى. و الذي يستعمل في صلة الفعل اللام، لأنها لام الإضافة تقول: لزيد ضربت و لعمرو أكرمت و إنما تقديره إكرامي لعمرو و ضربي لزيد، فأجري الفعل مجرى المصدر. و أحسن ما يكون ذلك إذا تقدّم المفعول، لأن الفعل إنما يجىء و قد عملت اللام.
[٣] قال في التكملة: النهيت: و هو الصوت.
[٤] سورة النور الآية ٦٣.
[٥] في الكامل للمبرد ٢/٩٩٧ قالها و يوصي ابنته لما أهداها إلى زوجها.
[٦] بهامش المطبوعة المصرية: «و في رواية ذكرها الصاغاني بدل هذا المشطور:
و انتزعي من خصل صدغيها.
[٧] في الكامل للمبرد:
و جددي الحلف به عليها.
[٨] في الكامل للمبرد: بذاك ابنيها. و بهامش المطبوعة المصرية: «قوله به ابنيها كذا بخطه، و الذي في التكملة: بذاك ابنيها، و على رواية الشارح يتعين قطع الهمزة من ابنيها ليستقيم الوزن».