أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٠ - الشبهة العبائيّة
الحضور مثلًا بالنسبة إلى عصر الغيبة) و لا نعلم هل بقي مطلق الطلب ضمن الاستحباب، أو لا؟ فهل يمكن استصحاب مطلق الطلب الذي كان موجوداً ضمن فرده الواجب، أو لا؟
الصحيح هو عدم الجريان لأنّ الميزان في هذه الموارد إنّما هو نظر العرف، و المفروض أنّ ما نحن فيه يكون عنده من قبيل القسم الثالث من الكلّي.
نعم يمكن المناقشة في المثال المزبور الذي ذكره المحقّق الخراساني (رحمه الله) للمقام لأنّه يمكن أن يقال: بأنّ الاستحباب و الوجوب مرتبتان من شيء واحد (و هو الطلب): المرتبة الضعيفة و المرتبة الشديدة، فيرى العرف أيضاً أحدهما مع الآخر كالمستمرّ الواحد.
الأمر الثالث: ربّما يرد على تفصيل الشيخ الأعظم (رحمه الله) و جريان الاستصحاب في الصورة الاولى من القسم الثالث من استصحاب الكلّي (و هو ما إذا احتمل وجود الفرد الآخر مقارناً لوجود الفرد الأوّل) «أنّه إذا قام أحد من النوم و احتمل جنابته في حال النوم، لم يجز له الدخول في الصّلاة مع الوضوء و ذلك لجريان استصحاب الحدث حينئذٍ بعد الوضوء، لاحتمال اقتران الحدث الأصغر مع الجنابة، و هى لا ترتفع بالوضوء، و الظاهر أنّه لا يلتزم بهذا الحكم الشيخ الأعظم (رحمه الله) و غيره فإنّ كفاية الوضوء حينئذٍ من الواضحات و هذا يكشف عن عدم جريان الاستصحاب في القسم الثالث مطلقاً» [١].
أقول: بل يرد عليه: أنّ لازم كلامه جريان استصحاب بقاء المعلوم بالإجمال في كثير من موارد دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين، و نتيجته وجوب الإتيان الأكثر بحكم الاستصحاب، فإذا دار الأمر في الدَّين مثلًا بين كونه مائة درهم فقط أو مع إضافة مائة منّ من الحنطة، فإذا أدّى القدر المعلوم و هو الدراهم و بعد ذلك شكّ في بقاء كلّي الدَّين المشترك بينهما و بين الحنطة يجوز له استصحاب كلّي الدَّين، و حينئذٍ لا يحصل له البراءة إلّا بأداء الحنطة أيضاً، و كذا أشباهه من الأمثلة التي لا نظنّ التزام أحد من المحقّقين بها.
و قد قام جماعة من الأعلام منهم المحقّق النائيني (رحمه الله) في مقام الدفاع عن الشيخ (رحمه الله). بما حاصله: أنّ المستفاد من قوله تعالى: «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ...» و قوله تعالى: «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» أنّ الوضوء و الغسل فردان متضادّان لا يجتمعان في آنٍ
[١] مصباح الاصول: ج ٣، ص ١١٥، طبع مطبعة النجف.