أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٥٢ - الشبهة العبائيّة
أمّا القسم الرابع: ففي حجّية جريان الاستصحاب فيه و عدمها أقوال ثلاثة:
١- أنّه يجري مطلقاً و لكنّه مبتلى بالمعارض غالباً، و هذا ما ذهب إليه بعض أعاظم العصر.
٢- عدم الجريان مطلقاً، و هو المختار.
٣- ما ذهب إليه المحقّق الهمداني (رحمه الله) في مصباح الفقيه من التفصيل الآتي ذكره.
أمّا القول الأوّل: فاستدلّ له بتمامية أركان الاستصحاب و تشييد نظامه في هذا القسم فإنّ أحد العنوانين و إن ارتفع يقيناً إلّا أنّ لنا يقيناً بوجود الكلّي في ضمن عنوان آخر، فنشكّ في ارتفاعه لاحتمال انطباقه على فرد آخر غير الفرد المرتفع يقيناً (فإذا علمنا بأنّ زيداً كان في الدار ثمّ سمعنا قراءة القرآن من الدار و احتملنا أنّ القارئ هو زيد أو غيره ثمّ خرج زيد عن الدار فحينئذٍ نقول: العلم بوجود كلّي الإنسان كان حاصلًا و الآن نشكّ في بقائه لاحتمال تعدّد الفردين: زيد و قارئ القرآن) فبعد اليقين بوجود الكلّي المشار إليه و الشكّ في ارتفاعه لا مانع من جريان الاستصحاب فيه.
نعم قد يبتلى هذا الاستصحاب بالمعارض، كما إذا علم بالجنابة ليلة الخميس مثلًا و قد اغتسل منها، ثمّ رأى منيّاً في ثوبه يوم الجمعة، فيعلم بأنّه كان جنباً حين خروج هذا المني و لكن يحتمل كون المنيّ من الجنابة التي قد اغتسل منها كما يحتمل كونه من غيرها، فاستصحاب كلّي الجنابة مع الغاء الخصوصيّة و إن كان جارياً في نفسه، إلّا أنّه معارض باستصحاب الطهارة الشخصيّة فإنّه على يقين بالطهارة حين ما اغتسل من الجنابة و لا يقين بارتفاعها لاحتمال كون ذلك الأثر من تلك الجنابة، فيقع التعارض بينه و بين استصحاب الجنابة، فيتساقطان و لا بدّ من الرجوع إلى أصل آخر [١].
أقول: بعد سقوط الأصل من الجانبين يكون هذا الإنسان كخلق الساعة، و قد وقع الكلام فيه في محلّه من أنّ من خلق من ساعته كآدم مثلًا هل يجوز له الصّلاة لأنّ الحدث مانع، أو لا يجوز لأنّ الوضوء شرط؟ فكلّ ما اخترنا هناك يجري هنا، لعدم جريان أصل من ناحية الطهارة و الحدث، و سيأتي قريباً الجواب عن هذا القول عند ذكر دليل القول الثاني.
[١] راجع مصباح الاصول: ج ٣، ص ١١٨، طبع مطبعة النجف.