أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٧ - الشبهة العبائيّة
ملاقي بعض أطراف العلم الإجمالي، و ليس كذلك.
الجواب الثالث: ما أفاده بعض الأعلام و حاصله: أنّ هذا يكون في الواقع التحقيق العبائي لا الشبهة العبائية، أي نحكم بنجاسة الملاقي لطرفي العباءة تعبّداً من باب جريان استصحاب كلّي النجاسة في العباءة، فإنّ من آثار هذا الاستصحاب هو الحكم بنجاسة الملاقي، و لا منافاة بين الحكم بطهارة الملاقي في سائر المقامات و الحكم بنجاسته في مثل المقام، للأصل الحاكم على الأصل الجاري في الملاقي، فإنّ التفكيك في الاصول كثير جدّاً، و لا تناقض في عالم التعبّد و الاعتبار [١].
و يرد عليه أنّه لا يجوز مثل هذا التعبّد لجهتين.
فأوّلًا: أنّ نجاسة الملاقي من شئون نجاسة الملاقى، و هو في المقام ليس نجساً لأنّ المفروض أنّ الطرف الثاني طاهر، و ملاقي الطاهر لا يتنجّس، كما أنّ المفروض أنّه لا يحكم بنجاسة الملاقي للطرف الأوّل.
و ثانياً: سلّمنا أنّه لا تناقض في عالم التعبّد عقلًا و لكن الوجدان يحكم بأنّ مثل هذا التعبّد أمر عجيب جدّاً يوجب انصراف أدلّة الاستصحاب عنه بلا ريب، و إن شئت قلت: مثل هذا التعبّد لا يمكن إثباته بمجرّد الاطلاق، بل يحتاج إلى دليل صريح الدلالة قوي السند جدّاً.
الجواب الرابع: ما هو الصحيح، و هو أنّ مثل هذا الاستصحاب ليس من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلّي، لأنّ استصحاب القسم الثاني عبارة عن استصحاب فرد واحد مجهول الصفات، أي الفرد المبهم المتيقّن وجوده في الخارج، بينما الفرد في ما نحن فيه مردّد بين فردين خارجيين، فهو نظير ما إذا علمنا بنجاسة أحد الإنائين ثمّ علمنا بانعدام أحدهما و لا نعلم هل المعدوم هو الإناء النجس أو الإناء الطاهر؟ فلا إشكال في عدم جواز استصحاب نجاسة كلّي أحدهما في مثل ذلك، لتبدّل الموضوع الناشئ من انعدام أحدهما في الخارج.
فإنّ المفروض في ما نحن فيه أنّ أحد الطرفين صار طاهراً قطعاً، فتبدّل عنوان «هما» ب «هو» فليس المتيقّن نجاسة كلّي أحدهما بل المتيقّن نجاسة الفرد المردّد بين ما صار طاهراً يقيناً و بين ما هو مشكوك نجاسة، فهو من قبيل استصحاب الفرد المردّد الذي لا إشكال في عدم
[١] راجع مصباح الاصول: ج ٣، ص ١١٣، طبع مطبعة النجف.