أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٥ - الشبهة العبائيّة
عن الطرفين، و قد لاقت اليد كليهما، فلا محيص عن القول بنجاسة اليد بعد إصابة الطرف الطاهر، و هذا من العجائب، فلا بدّ من رفع اليد عن جواز استصحاب الطهارة هنا الذي هو من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلّي.
و قد وقع الأعلام في حيص و بيص في حلّ هذه المشكلة.
فأجاب المحقّق النائيني (رحمه الله) في الدورة الاولى من خارج الاصول بجواب، و في الدورة الثانية بجواب آخر.
أمّا الجواب الأوّل: فهو «إنّ الاستصحاب الجاري في مثل العباءة ليس من استصحاب الكلّي في شيء لأنّ استصحاب الكلّي إنّما هو فيما إذا كان الكلّي المتيقّن مردّداً بين فرد من الصنف الطويل و فرد من الصنف القصير، كالحيوان المردّد بين البق و الفيل على ما هو المعروف، بخلاف المقام فإنّ الشكّ فيه في خصوصيّة محلّ النجس مع العلم بخصوصيّة الفرد، و الشكّ في خصوصيّة المكان أو الزمان لا يوجب كلّية المتيقّن، فليس الشكّ حينئذٍ في بقاء الكلّي و ارتفاعه حتّى يجري الاستصحاب فيه، كما إذا علمنا بوجود زيد في الدار فانهدم الطرف الشرقي منها، فلو كان زيد فيه فقد مات بانهدامه، و لو كان في الطرف الغربي فهو حي، فحياة زيد و إن كانت مشكوكاً فيها إلّا أنّه لا مجال معه لاستصحاب الكلّي» [١].
و أورد عليه مقرّره المحقّق: بأنّ الإشكال ليس في تسمية الاستصحاب الجاري في مسألة العباءة باستصحاب الكلّي، بل الإشكال إنّما هو في أنّ جريان استصحاب النجاسة لا يجتمع مع القول بطهارة الملاقي لأحد أطراف الشبهة، سواء كان الاستصحاب من قبيل استصحاب الكلّي أو الجزئي» [٢].
و لكن يمكن الدفاع عن المحقّق النائيني (رحمه الله) بأنّ مقصود المحقّق إنّما هو إثبات سلامة استصحاب القسم الثاني من الكلّي من الإشكال و هو حاصل بجوابه.
نعم، يمكن الإيراد عليه بأنّ قياس ما نحن فيه بمثال وجود زيد في الدار مع الفارق، لأنّ البحث في ما نحن فيه ليس في خصوصيّة المكان و أنّ النجاسة هل وقعت في الطرف الأيمن أو الطرف الأيسر؟ بل الكلام في تنجّس العباءة (فإنّها تتنجّس بالملاقاة) و إنّ نجاستها هل هى
[١] نقل عنه في مصباح الاصول: ج ٣، ص ١١٠، طبع مطبعة النجف.
[٢] مصباح الاصول: ج ٣، ص ١١١، طبع مطبعة النجف.