أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١١ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
وجوبهما الاستقلالي عند العلم به ينقلب إلى الوجوب الغيري و يصير قيداً للصلاة و لا مانع من أن تكون صفة العلم موجبة لتبدّل صفة الوجوب من النفسي إلى الغيري و من الاستقلالي إلى القيدي، فيرتفع الإشكال بحذافيره لأنّ العقاب إنّما يكون على ترك الواجب النفسي (و هو الجهر أو الإخفات) في حال الجهل، مع كون المأتي به هو المأمور به في ذلك الحال لأنّ المفروض أنّ المأمور به هو القدر المشترك.
إن قلت: فيلزم منه صحّة العمل في حال العلم أيضاً. قلنا: لا يلزم ذلك لما عرفت أنّ بالعلم يتبدّل الاستقلالي النفسي إلى الغيري القيدي.
و أمّا المسألة الثانية: فتفصّى عن الإشكال فيها: بأنّ الواجب على المسافر الجاهل بالحكم خصوص الركعتين الأوّليين لكن لا بشرط عدم الزيادة، بل لا بشرط عن الزيادة، فلا تكون الأخيرتان مانعتين عن صحّة الصّلاة، إلّا أنّ العلم بالحكم يوجب الانقلاب و يصير الواجب على المسافر خصوص الركعتين الأوّليين بشرط عدم الزيادة فتصحّ الصّلاة التامّة عند الجهل و تفسد عند العلم.
و تفصّى عن إشكال العقاب بأنّه يمكن أن يكون العقاب لأجل ترك السلام بعد التشهّد الثاني، بأن يكون أصل التسليم في الصّلاة جزءاً لها، و لكن وقوعه عقيب التشهّد الثاني واجب نفسي، فيكون المتمّم في موضع القصر قد أخلّ بهذا الواجب النفسي، فيعاقب عليه مع صحّة صلاته.
ثمّ اعترف بأنّ هذا الوجه لا تساعد عليه كلمات الأصحاب، بل لا ينطبق عليه بعض الفروع المتسالم عليها بينهم، فإنّ الظاهر تسالمهم على أنّ الجاهل لو نوى التمام و أتمّ الصّلاة بهذا العنوان صحّت صلاته بعنوان ما نواها، و هذا لا يمكن إلّا أن يكون المأمور به في هذا الحال هو الإتمام، إذ لو كان المأمور به هو خصوص الركعتين الأوّليين (و لو لا بشرط عن الزيادة) كان اللازم هو فساد صلاة من نوى التمام لعدم نيّة المأمور به [١] (انتهى ما أردناه من كلامه).
أقول: يرد عليه:
أوّلًا: أنّ طريقه هذا مملوّ بالتكلّفات الشديدة و لا يساعد عليه الوجدان الفقهي أصلًا.
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٤ ص ٢٩٤- ٢٩٩، طبع جماعة المدرّسين.