أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٢ - التنبيه الثالث في جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة
الحسن الفعلي كونه أمراً قربيّاً، و من الحسن الفاعلي كون الداعي و الباعث على الإتيان بالعمل هو اللَّه تعالى بأيّ صورة كانت.
التنبيه الثالث: في جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة
و فيه ثلاثة وجوه:
الأوّل: ما هو المشهور و هو البراءة مطلقاً.
الثاني: الاحتياط مطلقاً.
الثالث: التفصيل بين ما إذا كان المطلوب في الحرام مجموع التروك من حيث المجموع بحيث لو أتى به في زمان أو مكان دفعةً واحدة لم يمتثل أصلًا فلا تجري البراءة، و بين ما إذا كان المطلوب فيه تروكاً متعدّدة بحيث يكون كلّ ترك مطلوباً مستقلًا (كالنهي عن الخمر أو الكذب) فيقتصر في الترك على الأفراد المعلومة، و أمّا المشكوكة فتجري البراءة عن حرمتها.
و استدلّ للقول الأوّل: تارةً بالبراءة العقليّة، و اخرى بالبراءة الشرعيّة.
أمّا البراءة العقليّة: فالمعروف جريانها في الشبهات الموضوعيّة أيضاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
لكن الإنصاف أنّه مشكل لأنّ وظيفة الشارع بما هو شارع ليس إلّا بيان الكبريات، و قد بيّنها و وصلت إلى المكلّف حسب الفرض، و إنّما الشكّ في الصغرى و هى كون هذا المائع الخارجي مثلًا ممّا ينطبق عليه متعلّق الحرمة و هو الخمر أم لا، و من المعلوم أنّ المرجع في إزالة هذه الشبهة ليس هو الشارع فلا يتحقّق حينئذٍ موضوع القاعدة و هو عدم البيان، فلا تجري القاعدة بل على المكلّف إزالة هذا النوع من التردّد و الاشتباه.
قد يقال: إنّ المراد من البيان في هذه القاعدة هو العلم، و عدم العلم صادق في المقام، و لكنّه مجرّد دعوى عهدتها على مدّعيها لأنّه لا دليل على كون قبح العقاب بلا علم مطلقاً و في جميع الموارد من المستقلّات العقليّة.
و قال المحقّق النائيني (رحمه الله) بما حاصله: إنّ مردّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان إنّما هو قبح العقاب بلا علم لأنّ العقل حاكم على أنّ المجهول لا يمكن أن يكون باعثاً و محرّكاً للمكلّف و لا