أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٣٢ - الأمر الأوّل معنى الاجتهاد لغةً و اصطلاحاً
واحد؟ اختلف فيه بين أرباب اللغة، ففي مختصر الصحاح: الجَهد و الجُهد الطاقة، و في مقاييس اللغة: الجيم و الهاء و الدالّ أصله المشقّة ... و الجُهد الطاقة» [١] و في مفردات الراغب: الجَهد و الجُهد الطاقة و المشقّة، و قيل: الجَهد (بالفتح) المشقّة و الجُهد الواسع ... (إلى أن قال):
و الاجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة و تحمّل المشقّة [٢].
أقول: الظاهر أنّ معناه الأصلي هو نهاية الطاقة و القدرة التي من لوازمها المشقّة، فإنّ من بذل نهاية طاقته يقع في المشقّة و الكلفة، وعليه فالصحيح أنّه بمعنى بذل نهاية الطاقة كما ذهب إليه في «التحقيق في كلمات القرآن الكريم» [٣] و استعمل فيه في لسان الآيات أيضاً كقوله تعالى: «وَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلّا جُهْدَهُمْ» [٤] أي نهاية طاقتهم في الإنفاق على أمر الجهاد و قوله تعالى: «وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ» [٥] أي أقسموا باللَّه نهاية طاقتهم في القسم.
و أمّا في الاصطلاح: فقد ذكر له في كلمات الاصوليين تعاريف كثيرة:
١- ما حكي عن قدماء الاصوليين من أهل السنّة و الشيعة مثل الحاجبي و العلّامة، و هو:
«استفراغ الوسع في تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي».
و يرد عليه أوّلًا: أنّه لا وجه للتقييد فيه بالظنّ، لصدق الاجتهاد على استفراغ الوسع لتحصيل العلم أيضاً.
و ثانياً: قد يكون نتيجة الاستنباط و الاجتهاد حصول الظنّ بمطلق الحجّة من دون أن يصدق عليها الحكم، كما في البراءة العقليّة و الظنّ الانسدادي على الحكومة و الاحتياط العقلي، و حينئذٍ ليس التعريف جامعاً لتمام الافراد.
و ثالثاً: أنّه يعمّ استفراغ وسع المقلّد في تحصيل فتوى مقلّده (بالفتح) أيضاً فلا بدّ من ضمّ قيد «عن أدلّتها التفصيليّة» إليه حتّى يخرج جهد المقلّد.
[١] مقاييس اللغة: ج ١، ص ٤٨٦.
[٢] مفردات الراغب: جهد، ص ٩٩.
[٣] التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج ٢، ص ١٣٦.
[٤] سورة التوبة: الآية ٧٩.
[٥] سورة النور: الآية ٥٣.