أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠٤ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
الشيء مدار وجود الملاك، بل الملاك يكون حكمة لتشريع وجوب الشيء كاختلاط المياه في وجوب العدّة على النساء، و في الثاني يدور وجوب الشيء مدار وجود الخطاب الواقعي، و يكون علّة للحكم لا حكمة للتشريع، كوجوب ذي المقدّمة بالنسبة إلى وجوب المقدّمة، و الخطابات الواقعية بالنسبة إلى وجوب التعلّم و الاحتياط تكون كوجوب ذي المقدّمة علّة للحكم لا حكمة للتشريع، فوجوب التعلّم و الاحتياط يكون من هذه الجهة كوجوب المقدّمة، و إن كان يفترق من جهة اخرى و هى: أنّ وجوب المقدّمة يترشّح من وجوب ذيها بخلاف وجوب التعلّم و الاحتياط، و بما ذكرنا يظهر ضعف ما ينسب إلى المدارك من كون العقاب على نفس ترك التعلّم، فإنّ المستتبع للعقاب إنّما هو ترك الواجب النفسي لا ترك الواجب الطريقي، و يتلو ذلك في الضعف ما ينسب إلى المشهور من كون العقاب على ترك الواقع لا على ترك التعلّم، فإنّ العقاب على الواقع المجهول قبيح، و إيجاب التعلّم لا يخرجه عن الجهالة.
فالأقوى: أن يكون العقاب على ترك التعلّم المؤدّي إلى ترك الواقع لا على ترك التعلّم و إن لم يؤدّ إلى ذلك لينافي وجوبه الطريقي، و لا على ترك الواقع لينافي جهالته (انتهى) [١].
هذا- و لكن لا يخلو كلامه من إبهامات و إشكالات:
أوّلها: (بالنسبة إلى قوله: إنّ العلم لا دخل له في القدرة حتّى يكون حاله حال المقدّمات المفوتة) إنّ للعلم دخلًا في القدرة لأنّه لا إشكال في أنّه مع الجهل بمناسك الحجّ مثلًا لا يكون قادراً على إتيانها و لو من طريق الاحتياط لأنّ الاحتياط أيضاً لا بدّ فيه من وجود علم إجمالي بالتكليف.
ثانيها: كون العلم طريقيّاً لا ينافي وجوبه النفسي لجواز أن تلاحظ الطريقيّة بعنوان الحكمة لا العلّة، نظير وجوب انتباه المأمورين لإطفاء الحريق لنوبتهم في تمام ساعات الليل و النهار، الذي لا إشكال في أنّه طريقي للإطفاء، و لكن حيث يكون طريقاً بنحو الحكمة فلا يسقط وجوب الانتباه و الكون في محلّ الانتظار بعنوان واجب نفسي.
ثالثها: (و هو العمدة) أنّ الوجوب إمّا غيري أو نفسي و لا ثالث لهما، لأنّ الطريقيّة إمّا أن تكون من قبيل العلّة للحكم فترجع إلى الواجب الغيري، أو تكون من قبيل الحكمة فترجع
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٤، ص ٢٨١- ٢٨٥، طبع جماعة المدرّسين.