أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠٢ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
يتصوّر مثلًا وجوب الحجّ في موسم الحجّ و يلاحظ أنّ المكلّف لا يقدر على الإتيان به لو لم يأت بمقدّماته فتترشّح من إرادته بالنسبة إلى الحجّ إرادة اخرى بالنسبة إلى المقدّمات، و هذا أمر معقول و متداول عند العقلاء فإذا تصوّر إنسان مجيء صديقه غداً في داره فنفس هذا التصوّر يوجب حصول إرادته إيجاد مقدّمات الاستقبال من الآن.
الوجه الثاني: ما مرّ أيضاً كراراً من مسألة وجوب حفظ غرض المولى و أنّ العقل يحكم بأنّ أغراض المولى ليست بأقلّ من أغراض العبد في الأهميّة، فكما يلزم العبد نفسه بإتيان مقدّمات تحصيل أغراضه الشخصيّة لا بدّ له أن يلزم نفسه بإتيان مقدّمات تحصيل أغراض مولاه و لو في المستقبل و إن لم تحصل الإرادة و الوجوب فعلًا.
فمن هذين الطريقين وجبت في الشريعة جميع المقدّمات المفوّتة و إن لم يكن الأمر بذي المقدّمة فعليّاً.
نعم، هاهنا طريقان آخران يمكن المناقشة فيهما:
أحدهما: أنّ الواجب المشروط يرجع إلى الواجب المعلّق الذي يكون الوجوب فيه فعلياً و الواجب استقبالياً.
و فيه أوّلًا: أنّه خلاف ظاهر أدلّة الواجبات المشروطة فإنّ ظاهرها أنّ الوجوب استقبالي.
و ثانياً: ما ذهب إليه صاحب المدارك و المحقّق الأردبيلي (رحمه الله) من كون وجوب التعلّم وجوباً نفسيّاً.
و فيه أنّه خلاف الوجدان القطعي فإنّا نعلم علماً قطعيّاً بأنّ أمر المولى بالنسبة إلى التعلّم و إرادته له يكون من أجل ما يترتّب عليه من سائر التكاليف، فهو إرشادي محض لأنّ الحكم المولوي النفسي يحتاج إلى وجود مصلحة في نفس الشيء، و معلوم أنّه لا مصلحة في نفس الفحص إلّا حفظ مصلحة الواقع أو عدم الوقوع في مفسدته بقدر الإمكان، و لا أقلّ من كونه مخالفاً لظواهر أدلّة وجوب تحصيل العلم.
إلى هنا ظهر الحال في القول الأوّل و الثاني.
أمّا القول الثالث: (و هو ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) من استحقاقه العقاب على ترك التعلّم و الفحص عند مخالفة الواقع لا مطلقاً) فحاصل كلامه: إنّ وجوب التعلّم و الفحص