أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠٣ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
وجوب طريقي (خلافاً لما ذهب إليه المحقّق الأردبيلي و صاحب المدارك ٦ من كونه وجوباً نفسياً استقلالياً) وعليه تكون مخالفته موجبة لاستحقاق العقاب على ترك الفحص و التعلّم المؤدّي إلى مخالفة الواقع، و ذلك لأنّ وجوبه لأجل حفظ الواقع و طريقيّة التعلّم و الفحص إلى إدراك الواقع كوجوب الاحتياط شرعاً في بعض الشبهات البدويّة (كما في باب الفروج و الدماء بل الأموال) فالمطلوب بالذات هو الواقع، و مطلوبيّة الاحتياط إنّما هى لأجل الوصول إلى الواقع و حصوله.
إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فوجوبه يكون وجوباً غيرياً مقدّمياً و من قبيل المقدّمات المفوتة على القول بالواجب المعلّق، أو وجوباً عقلياً على القول بعدم إمكانه، فلا يكون العقاب إلّا على مخالفة الواقع لا على ترك التعلّم عند مخالفة الواقع.
قلنا: إنّ مناط وجوب التعلّم غير مناط وجوب حفظ القدرة أو تحصيلها في المقدّمات المفوتة، و لا يقاس أحدهما بالآخر، فإنّ القدرة ممّا يتوقّف عليها فعل المأمور به خارجاً و من المقدّمات الوجوديّة له، و لا يتمكّن المكلّف من فعل الواجب عند تفويت القدرة، فيتحقّق عصيان خطاب ذي المقدّمة بمجرّد ترك هذه المقدّمات الوجودية، و يستحقّ التارك العقاب على تفويت الواجب من زمان ترك المقدّمة، إذ بتركها يفوت الواجب لا محالة، و يمتنع عليه بالاختيار و يصدق أنّه فات منه الواجب، و هذا بخلاف التعلّم و الاحتياط، فإنّه لا يتوقّف فعل الواجبات و ترك المحرّمات عليهما في الخارج، إذ ليس للعلم دخل في القدرة ليكون حاله حال المقدّمة المفوتة، و ليس لهما دخل في الملاك أيضاً، فلا يكون لإيجاب التعلّم و الاحتياط شائبة النفسيّة و الاستقلاليّة، بل الغرض من إيجاب التعلّم مجرّد الوصول إلى الأحكام و العمل على طبقها، و من إيجاب الاحتياط التحرّز عن مخالفة الواقع، من دون أن يكون للتعلّم و الاحتياط جهة موجبة لحسنهما الذاتي المستتبع للخطاب المولوي النفسي، بل الخطاب المتعلّق بهما يكون لمحض الطريقيّة، و وجوبهما يكون للغير لا نفسياً و لا بالغير.
فإن قلت: الوجوب للغير لا ينافي الوجوب النفسي، فإنّ غالب الواجبات النفسيّة يكون وجوبها للغير بناءً على تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.
قلت: الغير الذي يجب الشيء لأجله يختلف، فتارةً يكون هو ملاكات الأحكام التي اقتضت وجوب الشيء، و اخرى، يكون هو الخطابات الواقعية، ففي الأوّل لا يدور وجوب