أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠١ - الأمر الأوّل في الجاهل المقصر
لأجل التعلّم ثمّ العمل على وفقه أو عقد القلب عليه إذا كان في اصول الدين.
نعم، هاهنا إشكالات أوجبت الذهاب إلى الأقوال الثلاث الاخر، و عمدتها أمران:
أحدهما: أنّ المفروض كون الجاهل عاجزاً عن العمل في مقام الامتثال فلا معنى لأن يعاقب على ترك ما لم يكن مقدوراً له، نعم أنّه كان قادراً على التعلّم فيعاقب على تركه.
ثانيهما: (بالنسبة إلى خصوص التكاليف المشروطة أو الموقتة) أنّ الواقع في التكاليف المشروطة و الموقتة لم ينجز على المكلّف كي يعاقب عليه، إذ لا وجوب قبل تحقّق الشرط و قبل الوقت حتّى تكون المقدّمة (و هى التفحّص و التعلّم) واجبة، و كذلك لا وجوب بعد تحقّق الشرط و بعد دخول الوقت أحياناً لعدم القدرة عليه.
أمّا الجواب عن الأوّل: فهو إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و لو كان منافياً له تكليفاً، ففي ما نحن فيه فإن الواقع و إن كان مغفولًا عنه حين المخالفة، و كان خارجاً عن تحت الاختيار، و لكنّه بالنهاية ينتهي إلى الاختيار، و هو ترك التعلّم عمداً حينما التفت إلى تكاليف في الشريعة، كما هو الحال في كلّ مسبّب توليدي خارج عن تحت الاختيار إذا كان منتهياً إلى أمر اختياري، فإذا ألقى مثلًا بنفسه من شاهق فرغم خروجه عن الاختيار بعد ذلك، فيهلك قهراً بلا اختيار عند سقوطه على الأرض، و لكن حيث كان الهلاك نتيجة الإلقاء الذي هو أمر اختياري فيكون مصحّحاً للعقاب على ما ليس بالاختيار.
إن قلت: تكليف العبد العاجز حين العجز بما يكون عاجزاً عنه تكليف بما لا يطاق، و هو قبيح.
قلنا: ليس التكليف هذا تكليفاً بما لا يطاق لأنّه يكون مقدوراً له بالواسطة.
و إن شئت قلت: المعيار في العقاب و عدمه هو صحّة إسناد الترك إلى اختيار المكلّف و عدمها و الإسناد (و لو مع الواسطة) صادق صحيح فيما إذا كان سقوط التكليف بسوء الاختيار.
و أمّا الإشكال الثاني فيمكن الجواب عنه بوجهين:
الوجه الأوّل: ما مرّ في محلّه من إمكان وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها، و لا ينافي هذا كون وجوبها وجوباً ترشحياً لأنّ المراد منه الترشّح بحسب الداعوية في نفس المولى لا الترشّح تكويناً، و الأوّل يحصل بمجرّد تصوّر المولى وجوب ذي المقدّمة في المستقبل أيضاً، فهو