أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٩ - الفحص في الشبهات الموضوعيّة
بالموضوع المنوط به التكليف يتوقّف غالباً على الفحص بحيث لو أهمل الفحص لزم الوقوع في مخالفة التكليف كثيراً تعيّن هنا بحكم العقلاء اعتبار الفحص ثمّ العمل بالبراءة كبعض الأمثلة المتقدّمة فإنّ إضافة جميع علماء البلد أو أطبّائهم لا يمكن للشخص الجاهل إلّا بالفحص، فإذا حصل العلم ببعض و اقتصر على ذلك نافياً لوجوب إضافة ما عداه بأصالة البراءة من غير تفحّص زائد على ما حصل به المعلومين عدّ مستحقّاً للعقاب و الملامة عند انكشاف ترك إضافة من يتمكّن من تحصيل العلم به بفحص زائد (انتهى كلامه) [١].
أقول: الإنصاف في المسألة هو التفصيل بين موارد الشبهة، فتارةً تكون ممّا أحرز اهتمام الشارع به جدّاً كما في الفروج و الدماء و إنقاذ نفوس المؤمنين و نحوها فلا تجري البراءة فيها حتّى بعد الفحص بحدّ اليأس إذا كانت الشبهة باقية على حالها، فإذا احتمل أنّ هذا سمّ قاتل بمجرّد شربه لم يجز شربه و لم تجر البراءة حتّى بعد الفحص إذا بقيت الشبهة على حالها، هذا بالنسبة إلى البراءة النقليّة، و كذلك البراءة العقليّة فإنّها لا تجري في مثل هذه الامور المهمّة بناءً على مبنى المشهور فضلًا عن المبنى المختار من عدم كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقليّة بل العقل يحكم بالاحتياط مطلقاً، و أمّا بناء العقلاء فكذلك، حيث لا إشكال في أنّ بنائهم على الاحتياط في الامور المهمّة، و حينئذٍ لا ريب في أنّه باستكشاف وجوب الاحتياط شرعاً في مثل هذه الامور المهمّة من شدّة اهتمام الشارع بها يقيّد إطلاقات أدلّة البراءة الشرعيّة لو سلّم إطلاقها و عدم انصرافها عن مثل هذه الامور.
و اخرى يكون المورد ممّا يحصل العلم فيه بأدنى فحص و نظر، و بتعبير المحقّق الحائري (رحمه الله) يكون العلم في كُمّه، فيحصل مثلًا بالمراجعة إلى دفتره الخاصّ ليرى أنّه مديون لزيد مثلًا أو لا فلا إشكال في أنّ بناء العقلاء على وجوب الفحص و المراجعة و التأمّل في مثل هذه الامور، و لا يجوز الأخذ ببراءة الذمّة عند الشكّ من دون مراجعة.
و ثالثة يكون المورد المشكوك من الموارد التي تقتضي بماهيّته الفحص و الاختبار، فيكون ممّا لا يعلم غالباً إلّا بالفحص و المراجعة على نحو كأنّ الأمر به شرعاً مستلزم عرفاً لوجوب الفحص عنه، و إلّا لم يمتثل إلّا نادراً، كما في الشكّ في بلوغ المال بحدّ الاستطاعة أو النصاب،
[١] الرسائل: ج ٢، ص ٥٢٤- ٥٢٦، طبع جماعة المدرّسين.