أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٩٧ - الفحص في الشبهات الموضوعيّة
و الذي يمكن أن يقال بعد ملاحظة مجموع الأدلّة أنّه يكفي الفحص عن المخصّصات و شبهها عن مظانّها (و لو انحلّ العلم الإجمالي) كما أشرنا إليه سابقاً، بل هذا هو المعمول بين العقلاء من أهل العرف بالنسبة إلى قوانينهم، و مما يوجب سهولة الأمر في ذلك أنّ علماءنا المتقدّمين (رضوان اللَّه عليهم) بذلوا جهدهم في سبيل التحقيق عن الأحاديث الفقهيّة و تبويبها و وضع الجوامع لها، كما أنّ الفقهاء الذين جاءوا بعد المحدّثين بذلوا الجهد في الفحص عن الأحاديث المرتبطة بكلّ مسألة فقهيّة، و أودعوها في كتبهم الاستدلاليّة، و لذا يمكن الفحص بالمقدار اللازم للفقيه في عصرنا هذا مع بذل جهد قليل، فشكر اللَّه سعيهم و أجزل ثوابهم، و جزاهم عنّا و عن الإسلام خير الجزاء.
هذا تمام الكلام في شرائط جريان أصالة البراءة.
و منه يظهر الحال في شرائط جريان أصالة التخيير و أصالة الاستصحاب.
أمّا أصالة التخيير فيأتي فيها اعتبار وجوب الفحص الذي هو العمدة من الشرائط لأنّ جميع الوجوه الخمسة المذكورة في أصالة البراءة جارية هنا أيضاً، أمّا الإجماع و ضرورة الفقه فلا شبهة في قيامهما على وجوب الفحص عن وجود دليل على الترجيح في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة، و كذلك آية السؤال و النفر، لشمولهما موارد الدوران بين المحذورين في الشبهات الحكميّة أيضاً، و هكذا الروايات (و قوله ٧: هلّا تعلّمت و شبهه) و العلم الإجمالي بوجود واجبات و محرّمات قبل الفحص، و كذلك حكم العقل لأنّ العقل يحكم بالتخيير للمكلّف المتحيّر، و التحيّر المستقرّ إنّما يحصل بعد الفحص و عدم الظفر بالدليل.
و أمّا أصالة الاستصحاب فلأنّ قوله ٧، لا تنقض اليقين بالشكّ (بناءً على شموله للشبهات الحكميّة أيضاً) منصرف إلى ما بعد الفحص كما لا يخفى.
إلى هنا تمّ البحث عن المورد الأوّل، أي اعتبار الفحص في الشبهات الحكميّة.
الفحص في الشبهات الموضوعيّة:
أمّا المورد الثاني (أي شرائط إجراء سائر الاصول بالنسبة إلى الشبهة الموضوعيّة) فالمشهور في كلماتهم عدم الفحص مطلقاً سواء كانت الشبهة وجوبيّة أو تحريميّة، و سواء في البراءة العقليّة أو البراءة النقليّة، بل الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) صرّح بأنّه ممّا لا خلاف فيه