أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤ - ٧- في مباحث الشكّ و الاصول العمليّة
هذا- و قد ظهر ممّا ذكر الفرق بين التخصيص و الحكومة، حيث إنّ لسان التخصيص لسان التعارض، و لسان الحكومة هو التفسير و التوضيح مطابقة أو التزاماً، و المراد من التفسير أنّ الدليل الثاني لا يكون له معنى قابلًا للفهم بدون الدليل الأوّل، بخلاف التعارض، فإنّ لكلّ من الدليلين المتعارضين معناً مستقلًا و لا يتوقّف فهم أحدهما على الآخر، و من هنا يشترط في التخصيص أقوائيّة الدليل المخصّص خلافاً للحكومة.
ثمّ إنّه لا يعتبر في الحكومة كما أشرنا إليه كون الدليل الحاكم بصيغة تدلّ بالمطابقة على التفسير كقولك: «إنّما عنيت» أو «افسّر» بل تكفي الدلالة عليه بالالتزام كما في كثير من الأمثلة السابقة.
إذا عرفت هذا نقول: إنّ أدلّة الأمارات حاكمة على الاصول العمليّة لأنّ موضوع الاصول قد أخذ فيه الشكّ، و دليل الأمارة كآية النبأ يلغى احتمال الخلاف، و ينفى الحكم بلسان نفي الموضوع و كأنّه يقول: شكّك ليس بشكّ.
نعم تكون النسبة بينها و بين الاصول العقليّة نسبة الورود، فإنّ الموضوع في البراءة العقليّة (قاعدة قبح العقاب بلا بيان) إنّما هو عدم الحجّية، و دليل حجّية خبر الواحد مثلًا يقول: إنّ مفاد خبر الواحد حجّة فيوجب انعدام موضوع اللّاحجّة بالحجّة، و هكذا بالنسبة إلى الاحتياط العقلي فإنّ موضوعه عدم الأمن من العقاب و دليل حجّية خبر الواحد يبدّل عدم الأمن إلى الأمن، و كذلك في التخيير العقلي فإنّ الموضوع فيه عدم وجود الرجحان لأحد الدليلين، و خبر الواحد يكون مرجّحاً.
أمّا الخامس:- و هو عدم اختصاص الأمارة بموارد الظنّ- فالمعروف في ألسنة الاصوليين أنّه لا يوجد في مورد الشكّ أمارة لأنّ الشكّ ظلمة محضة لا يكون له كشف عن الواقع فلا يمكن جعله أمارة.
لكنّه ينتقض بمثل القرعة فقد وردت فيها روايات خاصّة تدلّ على أماريتها على الواقع، و أنّها توجب الوصول إلى الواقع إذا فوّض الأمر فيه إلى اللَّه تعالى (مع أنّه لا شكّ في أنّها ظلمة و شكّ محض).
و من هذه الروايات ما رواه الشيخ عن جميل قال: قال الطيار لزرارة: «ما تقول في المساهمة أ ليس حقّاً؟ فقال زرارة: بل هى حقّ، فقال الطيار: أ ليس قد ورد أنّه يخرج سهم