أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥ - ٧- في مباحث الشكّ و الاصول العمليّة
المحقّ؟ قال: بلى، قال: فتعال حتّى أدّعي أنا و أنت شيئاً ثمّ نساهم عليه و ننظر هكذا هو؟ فقال له زرارة: إنّما جاء الحديث بأنّه ليس من قوم فوّضوا أمرهم إلى اللَّه ثمّ اقترعوا إلّا خرج سهم المحقّ، فأمّا على التجارب، فلم يوضع على التجارب، فقال الطيار: أ رأيت إن كانا جميعاً مدّعيين ادّعيا ما ليس لهما من أين يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة: إذا كان كذلك جعل معه بينهم مبيح فإن كان ادّعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح» [١].
فإنّها واضحة الدلالة على كون القرعة أمارة على الواقع.
أضف إلى ذلك ما ورد في الكتاب الكريم في قصّة يونس: «وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ» [٢].
فإنّ هذه الآية أيضاً تدلّ على أنّه يمكن جعل أحد طرفي الشكّ الذي وافقته الأمارة أمارة على الواقع.
بل يدلّ عليه ما ورد في باب الاستخارات حيث إنّها في الواقع نوع من القرعة و أمارة على الواقع، و لم توضع لمجرّد رفع التحيّر في مقام العمل فحسب.
فظهر أنّ كون الشكّ بمنزلة الظلمات إنّما هو بالنسبة إلى أنظارنا، و أمّا عند الشارع العالم بالشهادة و الغيب فقد يكون لأحد الطرفين (و هو الطرف الذي توافقه القرعة) نور و ضياء، فيجعله أمارة و طريقاً إلى الواقع.
هذا كلّه هى الامور الخمسة التي ينبغي ذكرها قبل الورود في أصل البحث عن مسائل الاصول الأربعة، و نشرع الآن بحول اللَّه تعالى في أصالة البراءة في الشبهات التحريميّة الحكميّة (كالشكّ في حرمة العصير العنبي إذا غلى، أو الشكّ في حرمة بعض أجزاء الذبيحة أو حرمة التدخين). و نستمدّ منه التوفيق و الهداية.
[١] وسائل الشيعة: الباب ١٣، من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى، ح ٤.
[٢] سورة الصافات: الآية ١٣٩- ١٤١.