أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٣٧ - التنبيه الخامس الفرق بين «الشبهات المحصورة» و «غير المحصورة»
المحصورة فيكون الباقي خارجاً عن محلّ ابتلائه، و قد تقدّم عدم وجوب الاجتناب في مثله.
و فيه أيضاً: أنّ محلّ النزاع هو عدم انحصار الشبهة بما هو هو مع قطع النظر عن العناوين الطارئة.
الوجه الرابع: الأخبار الدالّة على حلّية كلّ ما لم يعلم حرمته فإنّها بظاهرها و إن عمّت الشبهة المحصورة إلّا أنّ مقتضى الجميع بينها و بين ما دلّ على وجوب الاجتناب بقول مطلق هو حمل أخبار الرخصة على غير المحصور و حمل أخبار المنع على المحصور.
و فيه: إنّ هذا جمع تبرعي لا شاهد له، و لا يمكن أن نرفع به اليد عن اطلاق «اجتنب عن الخمر» الشامل قطعاً للخمر المعلوم بالإجمال مطلقاً سواء كان ضمن الأطراف المحصورة أو غير المحصورة.
الوجه الخامس: بعض الأخبار الدالّة على أنّ مجرّد العلم بوجود الحرام بين المشتبهات لا يوجب الاجتناب عن جميع ما يحتمل كونه حراماً مثل ما مرّ من رواية أبي الجارود، قال:
سألت أبا جعفر ٧ عن الجبن فقلت: أخبرني من رأى إنّه يجعل فيه الميتة. فقال: «أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض فما علمت فيه ميتة فلا تأكله و ما لم تعلم فاشتر و بع و كل و اللَّه إنّي لأعترض السوق فأشتري اللحم و السمن و الجبن، و اللَّه ما أظنّ كلّهم يسمّون هذه البربر و هذه السودان» [١].
فاستدلّ تارةً بصدرها (و هو قوله ٧: أ من أجل مكان واحد ...) و اخرى بذيلها، و هو قوله ٧: «و اللَّه إنّي لأعترض السوق ...»، و لكن نوقش فيها من ناحية السند و الدلالة معاً.
أمّا السند فلمكان أبي الجارود المؤسّس لمذهب الجارودية و هو ممّن لا يعتمد على روايته بل في بعض الروايات إنّه كذّاب كافر مضافاً إلى وجود محمّد بن سنان فإنّه محلّ الخلاف بين علماء الرجال خصوصاً في ما رواه عن أبي الجارود.
و أمّا الدلالة فقد ناقش فيها الشيخ (رحمه الله) بأنّ مورد هذه الرواية هو الشبهات البدويّة فهى تقول أنّ العلم تفصيلًا بجعل الميتة في الجبن في مكان واحد لا يوجب الاجتناب عن جبن غيره من الإمكان فكأنّها تقول: إنّ العلم التفصيلي بنجاسة الطعام في مطعم لا يوجب نجاسة طعام
[١] وسائل الشيعة: الباب ٦١، من أبواب الأطعمة و الأشربة، ح ٥.