أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١٢ - المقام الأوّل في دوران الأمر بين المتباينين
من مجموع أدلّة الأحكام و الإجماعات الحاصلة بين الفقهاء أنّ الحلّ القريب من الكلّ من التكاليف عدم كونها فعلية من جميع الجهات، و لذا نلاحظ استثنائها و تخصيصها بالعناوين الثانوية كالاضطرار و الإكراه و التقيّة و غيرها، فما دام لم يعلم بالعلم التفصيلي أمكن إجراء الاصول المرخّصة أو الأدلّة الخاصّة الواردة فيها أو في مورد العلم التفصيلي تحت عنوان «العناوين الثانوية».
نعم يستثنى منها موارد الدماء و شبهها، فيمكن أن يقال بأنّها فعلية من جميع الجهات، أي إن كان المورد من قبيل الدماء و شبهها كان الحكم فعليّاً من جميع الجهات، فإذا علم إجمالًا مثلًا بوجود دم محقون مردّد بين شخصين: أحدهما: مؤمن متّقٍ، و الآخر: كافر يكون العلم الإجمالي منجّزاً للتكليف.
بل و كذا الحال في الشبهات البدوية منها، فإنّ الاحتياط واجب فيها، و لذا لا تجري فيها أحكام العناوين الثانوية كالتقيّة و مثلها كما ورد في الحديث: «إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلا تقيّة» [١]، بخلاف ما إذا كان المورد كالمائع النجس الدائر بين الإنائين فإنّه يمكن ورود الترخيص فيها إمّا بمقتضى أدلّة الاصول (على القول به) أو بعنوان «العناوين الثانويّة».
لكن مسألة الدماء أيضاً ليست فعلية من جميع الجهات لانتقاضها بمسألة التترّس في الجهاد كما لا يخفى، فإنّ المعروف حينئذٍ هو جواز القتل حتّى إذا كان الدم المحقون معلوماً تفصيلًا.
ثمّ إنّه تصدّى في تهذيب الاصول لتوجيه التكرار الحاصل في المقام في كلمات القوم حيث إنّهم تارةً يبحثون عن العلم الإجمالي في مبحث القطع و اخرى في مبحث الاشتغال، فقال: «إذا علمنا حرمة شيء أو وجوبه لا بعلم وجداني بل بشمول اطلاق الدليل أو عمومه على المورد كما إذا قال: «لا تشرب الخمر» و شمل بالإطلاق على الخمر المردّد بين الإنائين فهل يمكن الترخيص بأدلّة الاصول بتقييد اطلاق الدليل أو لا؟ و هذا هو الذي ينبغي أن يبحث عنه في المقام (مبحث الاشتغال) و مثله إذا علم إجمالًا بقيام حجّة على هذا الموضوع أو ذاك، كما إذا علم بقيام أمارة معتبرة إمّا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة» و قال في صدر كلامه: «إذا علم
[١] وسائل الشيعة: ج ١١، أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، الباب ٣١، ح ١.