أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١١ - ٧- في مباحث الشكّ و الاصول العمليّة
و هذا هو المختار، لأنّ مثل قاعدة الطهارة ليست أساساً من الاصول العمليّة حتّى تصل النوبة إلى البحث عن وضوحها و عدم وضوحها، بل هى من القواعد الفقهيّة لكونها حكماً كلّياً وضعيّاً يستفاد منها الأحكام الجزئيّة الفقهيّة بتطبيقها على موارد الشكّ في الطهارة، مضافاً إلى أنّ اعتذار المحقّق الخراساني (رحمه الله) بأنّها واضحة لا تحتاج إلى نقض و إبرام في غير محلّه، لأنّها أيضاً تحتاج إلى البحث و الدراسة كما يظهر لمن راجعها، فالوجه في عدم ذكرها في الاصول العمليّة هو دخولها في القواعد الفقهيّة و عدم وجود المناسبة بينها و بين المسائل الاصوليّة.
ثمّ إنّ أحسن ما قيل في بيان حصر مجاري الاصول العمليّة في الأربعة هو ما أفاده شيخنا الأعظم (رحمه الله)، و حاصله إنّ المشكوك إمّا له حالة سابقة ملحوظة [١] أو لا، و الأوّل مورد الاستصحاب، و الثاني (و هو ما إذا لم تكن له حالة سابقة أو كانت و لم تكن ملحوظة) إمّا أن يكون الاحتياط فيه ممكناً أو لا، و الأوّل [٢] إمّا قام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول أو لا، و الأوّل مورد الاحتياط، و الثاني مورد البراءة.
أقول: إنّ كلامه أدقّ ما افيد في هذا المجال، و لكنّه في نفس الحال ليس سليماً عن الإشكال، و عمدة الإشكال أنّ ظاهره أنّ مجرى قاعدة التخيير هو عدم إمكان الاحتياط مطلقاً، أي كلّ ما كان الاحتياط فيه غير ممكن يكون المجرى لقاعدة التخيير مع أنّه ليس كذلك بالنسبة إلى بعض الموارد، كما إذا دار الأمر مثلًا (كما في صلاة العيد في زمن الغيبة) بين الوجوب و الحرمة و الاستحباب، فإنّ المجرى فيه هو البراءة مع عدم إمكان الاحتياط فيه.
ثمّ إنّ للمحقّق النائيني (رحمه الله) في فوائد الاصول بياناً في هذا المقام، و إليك نصّه: «إمّا أن يلاحظ الحالة السابقة للشكّ أو لا، و على الثاني إمّا أن يكون التكليف معلوماً بفصله [٣] أو نوعه [٤] أو جنسه [٥] أو لا، و على الأوّل إمّا أن يمكن فيه الاحتياط أو لا، فالأوّل مجرى
[١] بخلاف ما إذا كانت للمشكوك حالة سابقة، و لكن لم تكن ملحوظة كما في موارد الشكّ في المقتضي فليس الاستصحاب فيه حجّة.
[٢] و هو ليس منحصراً في الشبهات المحصورة في الشكّ في المكلّف به، بل يعمّ الشكّ في التكليف في الشبهات قبل الفحص.
[٣] كما إذا علمنا أنّ لهذا العمل المنع من الترك و هو فصل الوجوب.
[٤] كما إذا كان المعلوم هو الوجوب.
[٥] كما إذا كان المعلوم هو أصل اللزوم.