أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٠ - ٧- في مباحث الشكّ و الاصول العمليّة
الحكم، و القاعدة الفقهيّة ما تكون بنفسها حكماً كلّياً فرعياً، و المسألة الفقهيّة عبارة عن الأحكام الفرعيّة الجزئيّة، أي ما يتعلّق به عمل المكلّف (و إن كان كلّياً في نفسه)، و الاصول العمليّة إنّما هى من القسم الثاني لأنّها بنفسها أحكام كلّية فرعيّة.
و لكن عند الدقّة و التأمّل يظهر أنّها من القسم الأوّل، و ذلك لعدم اشتمالها على حكم من الأحكام الخمسة، أمّا البراءة فلأنّها في الشبهات الوجوبيّة عبارة عن عدم الوجوب، و في الشبهات التحريميّة عبارة عن عدم الحرمة، فليست هى بنفسها حكماً معيّناً من الأحكام الخمسة (لا وجوداً و لا عدماً).
و أمّا الاستصحاب فلأنّه عبارة عن العمل بالحالة السابقة المتيقّنة، و لا يخفى أنّ المعلوم سابقاً تارةً يكون وجوباً و اخرى تحريماً، و ثالثة حكماً وضعيّاً، كما أنّه قد يكون موضوعاً خارجياً، فلا يندرج في تعريف القواعد الفقهيّة.
و هكذا الاحتياط لأنّه في الشبهات الوجوبيّة عبارة عن الوجوب، و في الشبهات التحريميّة عبارة عن الحرمة، فليس في جميع الموارد حكماً من الأحكام الخمسة، بل إنّه يدلّ على مطلق الإلزام، و ليس الإلزام نوعاً من الأحكام الخمسة.
و هكذا التخيير لأنّه سيأتي أنّ المراد منه في مباحث الاصول العمليّة إنّما هو التخيير العقلي، و عبارة عن نفي البأس و العقاب باختيار المكلّف أحد الأطراف، فليس حكماً شرعيّاً من الأحكام الخمسة.
أمّا الأمر الثالث: و هو انحصار الاصول العمليّة في الأربعة فيستفاد من كلمات المحقّق الخراساني (رحمه الله) نفي انحصارها العقلي في الأربعة مع اعترافه بأنّ المهمّ منها أربعة، و أنّ مثل قاعدة الطهارة و إن كان ممّا ينتهي إليها فيما لا حجّة على طهارته، و لا على نجاسته، إلّا أنّ البحث عنها ليس بمهمّ لأنّها ثابتة بلا كلام من دون حاجة إلى نقض و إبرام بخلاف الأربعة فإنّها محلّ الخلاف بين الأصحاب، و يحتاج تنقيح مجاريها و توضيح ما هو حكم العقل أو مقتضى عموم النقل فيها إلى مزيد بحث و بيان، و مئونة حجّة و برهان، هذا مع جريانها في كلّ الأبواب و اختصاص تلك القاعدة ببعضها.
و صرّح شيخنا الأعظم (رحمه الله) في موضعين من رسائله (أوائل مباحث القطع و أوّل البحث عن البراءة) بحصر مجاريها في الأربعة عقلًا.