نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٧٢٥ - في أحكام العمل بالبراءة قبل الفحص و تبعته
الأمر بالفحص كون هذا الواصل إيصالاً للطّريق تشريعاً لا تكويناً و تنزيلاً لا حقيقة. و منه تعرف أنّ المنجّز للطّريق نفس هذا الأمر لا احتمال الواقع أو احتمال الطّريق كما أنّه تعرف أنّه يستحيل ترتّب العقاب على ترك الفحص و لو من حيث استلزامه لمخالفة الواقع،فانّ هذا المعنى شأن نفس الطّريق حيث يكون العمل به نفس إتيان ما تكفّل لوجوبه،فانّ التّصديق العملي للخبر ليس إلاّ بفعل صلاة الجمعة مثلاً ففي مثله يصحّ أن يقال إنّه لا فرق بين القول باستحقاق العقاب على مخالفة الواقع و القول باستحقاقه على مخالفة الطّريق،بخلاف الأمر بالتّفقه بالفحص الّذي لا شأن له إلاّ إيصال الطّريق تشريعاً و تنزيلاً فتدبّره فانّه حقيق به.
و التّحقيق:أنّ ما ذكرنا و إن كان كافياً في تنجيز الواقع الّذي عليه طريق واقعاً و يستحقّ على مخالفته العقاب لا على ترك الفحص و ترك التّفقه من دون محذور، إلاّ أنّ ظاهر الاخبار الآمرة بالتّفقه و التّعلم أنّ المطلوب بها هو التّفقه و التّعلم و أنّ الإيجاب حقيقي لا بداعي إيصال الواقع أو الطّريق،و تصحيحه بحيث يكون الأمر متكفّلاً لتكليف عملي بلا لزوم محذور يتوقّف على تمهيد مقدّمة هي أنّ الغرض من الواجب غير الغرض من الإيجاب،فانّ أغراض الواجبات و هي مصالحها مختلفة و الغرض من الإيجاب دائماً هو جعل الدّاعي،سواء كان الواجب تعبّديّاً أو توصليّاً،و سواء كان نفسيّاً أو غيريّاً مقدميّاً.
و أيضا ليس تفاوت الواجب النّفسي مع الغيري أنّ الغرض من الأوّل مطلوب و محبوب بذاته و أنّ الغرض من الثّاني التّوصّل إلى ذلك المحبوب الذّاتي،فإنّا قد بيّنا في مباحث الألفاظ [١]أنّ النّفسي بهذا المعنى منحصر في معرفة اللّٰه تعالى و إلاّ فما عداه من الواجبات يكون أغراضها مقدّمة لغرض أقصى إلى أن ينتهى إلى الغاية الحقيقيّة و هي المعرفة.
[١] -نهاية الدّراية:ج ١،ص ٣٧٢.