نهاية الدراية في شرح الکفاية - ط قديم - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٧١ - «التّحقيق في التّخيير»
لا يمنع عن اندراج المسألة تحت مسألة التّعيين و التّخيير،فانّ الحكم في الواجبين الشّرعيين المتزاحمين تعييني لا تخييري،و مع ذلك إذا علم بأقوائيّة ملاك أحدهما المعيّن يحكم بفعليّته المطلقة و بقاء الآخر على فعليّته الذّاتيّة، و إذا احتمل أقوائيّته يدور الأمر بين بقاء كليهما على فعليّتهما الذّاتية المقتضى للتّخيير في مقام الامتثال عقلاً أو بلوغ محتمل الأهميّة لمرتبة الفعليّة بقول مط و تعيّنه في مرحلة الامتثال،و أمّا حديث عدم تردّد الحاكم فالجواب عنه أنّ العقل يحكم كليّاً بقبح التّسوية بين الرّاجح و المرجوح،و بقبح ترجيح أحد المتساويين على الآخر،و لا تردّد له في هذه الكبرى العقليّة في الطّرفين و لا في ملاك هذه الكبرى،و إنّما يتردّد في انطباق الكبرى على مورد للتّردد في أقوائيّة ملاك الحكم الشّرعي في طرف من ملاكه في طرف آخر،و هذا تردّد منه لا بما هو حاكم لتلك الكبريات و لا في ملاك تلك الكبريات،بل منه بما هو مدرك للحكم الشّرعي و لملاكه و استقلال العقل بملاكات الأحكام الشّرعيّة ممّا لا يذهب إليه ذو مسكة.
نعم،التحقيق أنّ مسألتنا هذه غير مندرجة في مسألة التّخيير و التّعيين العقليّين مع القطع بالأهميّة فضلاً عن احتمالها.فانّ حكم العقل بالتّخيير هنا ليس بملاك التّخيير بين الواجبين المتزاحمين من حيث تساويهما في المقتضى و مقتضاه و القدرة على امتثاله في نفسه حتّى يكون القطع بأقوائيّة الملاك أو احتمالها مانعاً عن حكمه بالتّخيير،بل التّخيير هنا عقلاً بمعنى استقلال العقل بعدم الحَرَج في الفعل و التّرك بملاك عدم المنجّز للوجوب و للحرمة،و القطع بأهميّة ملاك الحرمة على تقدير ثبوتها واقعاً أجنبيّ عن هذا الملاك فضلاً عن احتمالها،لأنّ احتمال ثبوت الحكم الأهمّ كاحتمال ثبوت غير الأهمّ في عدم التّنجّز،لعدم التّمكن من الموافقة القطعيّة و من ترك المخالفة القطعيّة على حدّ سواء.و الموافقة الاحتماليّة للتّكليف المعلوم كالمخالفة الاحتماليّة قهريّة لا أنّها لازم المراعاة بحكم العقل حتّى يتوهّم أنّه مع القطع بالأهميّة أو احتمالها في طرف يحكم العقل بمراعاة موافقته الاحتماليّة بالخصوص.