التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ٤٥٥ - دوران الأمر بين ترك الجزء و ترك الشرط
[أقول:] بل يتعلّق بالقول و الالتزام به، أمّا في صورة تطبيق العمل على وجه واحد من وجهي التخيير دائما فظاهر. و أمّا في صورة اختيار تطبيقه على أحد وجهيه تارة و على وجهه الآخر تارة أخرى، فلأنّ العمل الأخير موجب للعلم بالمخالفة العمليّة في أحد العملين، لا أنّه عمل مخالف لما هو عليه في الواقع.
و بعبارة: إنّ العمل الأخير كالعمل الأوّل في احتمال مخالفة الواقع و عدمه، و ليس بنفسه مقطوع المخالفة المفروض حرمتها، غاية الفرق أنّه موجب للعلم بحصول تلك المخالفة، و لا دليل على قدحه في العمل.
فإن قلت: مقتضاه جواز ارتكاب الشبهة المحصورة تدريجا، لأنّ ارتكاب الطرف الأوّل ليس فيه إلّا احتمال المخالفة، و الطرف الآخر ليس فيه إلّا العلم بالمخالفة، فليس في ارتكاب كلّ من الطرفين بنفسه مخالفة عمليّة، بل الحاصل من المجموع العلم بالمخالفة، و قد قلت: إنّه غير قادح في العمل.
قلت: نعم، لو قلنا بجواز ارتكاب أحد الطرفين في الشبهة المحصورة- كما في ما نحن فيه- كان اللازم منه جواز ارتكاب الطرف الآخر- كما قال به في القوانين [١]-، إلّا أنّا بينّا في محلّه على حكم العقل بقبح ارتكاب شيء من الطرفين، و بعد البناء على ذلك لا ملازمة.
ثمّ الفرق بين هذه المسألة و مسألة دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة هو وجود العلم الإجمالي بوجوب الكلّ هنا، دون ثمّة، و دوران الأمر بين الحكمين الغيريين هنا، و النفسيين ثمّة، و هذا هو الفرق أيضا بين مسألة الشكّ في الشرطيّة و مسألة دوران الأمر بين الوجوب و غير الحرام، مضافا إلى أنّه يكفي في تفريق المسألتين أعميّة أحدهما من الآخر مطلقا، كمسألة مقدّمة الواجب بالنسبة إلى
[١] قوانين الأصول ٢: ٢٥.