التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ١٩٨ - المراد من أصالة البراءة
فالتحقيق تعيين كونه بمعنى القاعدة لكن لا لما ذكر، بل لما ذكرنا من أنّ اصطلاحهم في الأصل ما لا يكون اعتباره من باب الكشف فإن كان المراد به الدليل أعني نفس «الناس في سعة ما لا يعلمون» [١] لكان الوجه أن يسمّوه دليلا لأنّ الرواية كاشفة عن حكم اللّه الظاهري و اعتبارها أيضا من هذه الحيثية، فحمل لفظ الأصل على ما جرى عليه اصطلاحهم أولى من حمله على المعنى اللغوي.
و أمّا الاستصحاب فهو و إن حسن إرادته أيضا بل وقع دليلا لإثبات البراءة كما سنذكره، و لكن قد عرفت أنّ الملحوظ في الاستصحاب الحالة السابقة و هو غير ملحوظ عند الاستدلال بالبراءة فلا يحسن إرادته منه.
و أمّا وقوعه دليلا فلعلّه وقع على فرض التنزّل كما جعلوا دليل الانسداد في حجّية خبر الواحد رابع الأدلّة مع أنّ المقصود في الاستدلال إثبات الظن الخاص لا الظنّ المطلق، مضافا إلى أنّ البراءة ممّا أجمع على حجّيته بخلاف الاستصحاب فإنّه محلّ خلاف فكيف يمكن أن يكون مرادا من أصل البراءة؟
و أما عدم إرادة الراجح فلعلّه مقطوع به لأنّ الدليل في اصطلاحهم هو المثبت للعلم و ما يتكرّر به الوسط لا نفس العلم من غير فرق في ذلك بين الاجتهادي و الفقاهتي، و كيف كان فالمراد من الأصل على أيّ من معانيه هو كلّ دليل لم يكن المنظور في حجّيته جهة الكشف و المرآتية عن الواقع و إن كان كاشفا و مرآة عنه، و المراد من الدليل ما كان المناط و المنظور في حجّيته جهة الكاشفية و المرآتية عن الواقع، فإن كان مثبتا للحكم الشرعي اختصّ باسم الدليل اصطلاحا و إن كان مثبتا للموضوع كاليد و السوق اختص باسم الأمارة فيقال:
أمارة الموضوعات، كما يقال: أدلّة الأحكام، و لا يقال: أدلّة الموضوعات، كما لا يقال أمارة الأحكام اصطلاحا.
[١] تقدم ذكر مصادره في ص: ١٩٨ الهامش (١).