التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٣٦ - دراسة في قول الاخبارية بالاحتياط في الشبهة التحريمية
و ثانيا: لو سلّمنا تعلّقه بخصوص النافع فهو من الموضوعات المستنبطة التي مرجع استنباطها إلى عرف الشارع إن كان له عرف فيها، و العرف العام إن لم يكن، و مطلق الظن إن لم يكونا من غير أن يتوقّف على إذن خاص و بيان جديد كما توهّم، مضافا إلى أنّ توقّفه على ذلك مناف للامتنان و أصالة عدم الإجمال و وظيفة الشارع، أ لا ترى انّك لو مننت على أحد بضيافة و وضع طعام أمامه، ثمّ تقيّد إباحته عليه بالاحتياج إلى إذن جديد في كيفيّة الأكل و كمّيته و تفصيله، كان قبيحا عند العقل بالغاية، و فضيحا عند العرف بالنهاية؟ فإذا لم يرض العقل و لا العرف بهذا الامتنان من أدنى الناس رتبة فكيف يرضاه و يجوّزه على أكرم الأكرمين و خالقهم من حيث لا يشعر؟! و هل هذا الفجاج إلّا من فرط اللجاج، و كثرة الاعوجاج، و الانحراف عن المنهاج، أعاذنا اللّه منه و من سائر أمراض المزاج.
[الجواب على إيراد الماتن على الآيات و الأخبار المستدلّ بها على البراءة]
و أمّا إيراد المتن على جميع الآيات و الأخبار المذكورة في المضمار بقوله: و الانصاف ما ذكرنا من أنّ الآيات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بالاحتياط، إلخ [١]، فيمكن الجواب عنه بوجوه:
[دراسة في قول الاخبارية بالاحتياط في الشبهة التحريمية]
منها: منع عدم نزاع الأخبارية في أصالة البراءة عن التكليف في ما لم يعلم بعقل أو نقل التكليف به، و انحصار دعواهم في قيام الدليل العقلي أو النقلي الوارد على ذلك الأصل، بل الظاهر من جلّهم أو كلّهم أنّ وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية الذي نحن فيه إنّما هو من مقتضى نفس احتمال الحرمة الواقعية لا من مقتضى الدليل الخارجي الوارد على أصالة البراءة المسلّمة، بل الظاهر أنّ جميع ما تمسّكوا به على الاحتياط من العقل و النقل إنّما يريدون به الاسترشاد إلى استناد الاحتياط إلى نفس احتمال الحرمة و الشبهة، كما هو ظاهر تلك الأدلّة بل
[١] فرائد الاصول: ١٩٥.