التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ٢١٩ - الثانية محلّ النزاع في مجرى البراءة أو الاشتغال
مسألة البراءة.
[الثانية: محلّ النزاع في مجرى البراءة أو الاشتغال]
الثانية: أنّ محلّ النزاع في مجرى البراءة أو الاشتغال، هل يختص بمشكوك الوجوب و الحرمة دون الندب و الكراهة أم يعمّهما؟ قولان ذهب إلى الاختصاص صاحب القوانين [١] مستندا إلى أنّ المراد البراءة من التكليف و لا يطلق التكليف على ما عدا الوجوب و الحرمة نظرا إلى أنّ التكليف مأخوذ من الكلفة و المشقّة الغير الصادقة على غيرهما ممّا أذن في تركه. و ضعّفه الفصول [٢] بأنّ ذلك معنى التكليف لغة، و أما في الاصطلاح فهو الأعم من ذلك قطعا لتناوله الوجوب و الحرمة بأنواعهما قولا واحدا، و من الواضح أنّه لا كلفة فيهما و كان المتداول في كلامهم استعمال أصل البراءة في نفي الوجوب، و أصل الاباحة في نفي التحريم و الكراهة، و التعميم أولى بالمقام لصلوح اللفظ له بالمعنى الّذي ذكرناه مع اشتراك الجميع في الأدلة.
فهذه الأحكام الأربعة كلّها مخالفة للأصل و إن كان مخالفة الوجوب و الحرمة له باعتبارين و مخالفة الندب و الكراهة له باعتبار واحد، و لهذا يرجّح الندب على الوجوب و الكراهة على التحريم عند دوران الأمر بينهما. انتهى.
و ربما ضعّفه الأستاذ العلامة منتصرا لصاحب القوانين، بأنّ المنفي بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها [٣] و إِلَّا وُسْعَها [٤] إنّما هو التكليف اللغوي الخاص بكلفة الوجوب و الحرمة لا التكليف الاصطلاحي العام لهما و للندب و الكراهة، ضرورة تأخّر ذلك الاصطلاح عن حال الخطاب فلا يحمل عليه ذلك الخطاب، و بأنّ سائر أدلّة البراءة من قوله: «الناس في سعة ما لا
[١] القوانين ٢: ١٤.
[٢] الفصول: ٣٥١.
[٣] الطلاق: ٧.
[٤] البقرة: ٢٨٦.