التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ١٢٩ - لزوم شكر المنعم
الدليل على أصل وجوب المعرفة، و تارة اخرى في تعيين وصف الدليل الموجب للمعرفة هل هو من مقولة العقل أم النقل؛ و تارة ثالثة في تشخيص كيفية الواجب من المعرفة هل هو القطع أم يكفي الظنّ؟ و على أيّ من التقديرين هل يلزم كونه من النظر و الاستدلال أم يكفي التقليد؟ و تارة رابعة في كميّة ذلك الواجب و مقدار ما يجب من المعرفة فالكلام إذن في مراحل:
[الدليل على وجوب المعرفة]
أمّا المرحلة الاولى فمحصّل الكلام فيها أن: الدليل على وجوب المعرفة في الجملة هو كلّ من الأدلّة الاربعة، مضافا إلى الضرورة عند كلّ من التزم بوجود صانع مدبّر للعالم، إلّا الدهرية المنكرة لوجوده، فلا يبقي للمعرفة عندهم من موضوع و محلّ فضلا عن الحكم و الحلّ.
[الدليل على وجوب المعرفة ليس من النقل]
و أمّا المرحلة الثانية فتحقيق الكلام فيها: أنّ الدليل على وجوب المعرفة في الجملة ليس من النقل لاستلزامه الدور و إفحام الأنبياء، بل إنّما هو من العقل و هو لزوم دفع الضرر المحتمل، فإنّ من القريب إلى فطريات كلّ إنسان مكلّف إن لم يكن من فطريات كلّ حيوان هو إدراك أنّ ما يتوارده من النعم المتجدّدة العارية القابلة للبقاء و الزوال إنّما هي من قبل غيره، لا من قبل نفسه، و احتماله- و لو وهما- التضرّر بعدم معرفة ذلك الغير المنعم عليه و لو بفقد نعمة أو نقصها، و هذا الاحتمال و الوهم ألم نفساني يستوجب العقل دفعه بتحصيل المعرفة، و أيضا لزوم شكر المنعم الذي هو من المستقلّات العقلية يتوقّف على معرفة المنعم لئلا يتجاسر و يخطئ في كيفية شكره بما لا يليق بحاله.
[لزوم شكر المنعم]
أمّا لزوم شكر المنعم فتقريبه: أنّ من نظر بعين عقله إلى ما وهب له من القوى و الحواسّ الباطنة و الظاهرة و تأمّل بنور فطرته في ما ركّب في بدنه من دقائق الحكم الباهرة، و صرف بصر بصيرته نحو ما هو مغمور فيه من أنواع النعماء و أصناف الآلاء التي لا يحصر مقدارها و لا يقدر انحصارها فإن عقله