التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٨٣ - دراسة خبر «دع ما يريبك»
أوّلا: إنّ حديث الريب مجمل، لما عن الصحاح من تفسيره بالشكّ و التّهمة، و ظاهره الاشتراك اللفظي بينهما، و لا قرينة في الحديث على تعيين إرادة الشكّ منه، فحمله على إرادة الشكّ ليس بأولى من حمله على إرادة التهمة ليكون معناه «اترك ما يتّهمك، و اذهب إلى ما لا يتّهمك» نظير قوله (عليه السلام): «اتّقوا مواضع التهم» [١].
و ثانيا: سلّمنا إرادة الشكّ منه، و لكن مع ذلك لا ينطبق على المدّعى- و هو رجحان الاحتياط، و مرجوحيّة البراءة- إلّا بتكلّف بعيد، و ذلك لعدم كون أصل البراءة منشئا و محدثا فيك الشكّ حتّى يصدق عليه قوله: «دع ما يشكّك» بل شكّك المفروض في حكم الواقعة عبارة عن عدم علمك و جهلك المستمر من قبل، ما لم يزله مزيل، و كذلك الاحتياط ليس ممّا لا يشكّك حتى يصدق عليه لا يريبك، بل هو يوقيك و يزيل شكّك.
فعلى تقدير إرادة الشكّ من الريب لا ينطبق الحديث على العمل بالاحتياط و ترك أصالة البراءة، بل لا بدّ إمّا من حمله على إرادة الاستصحاب، و إبقاء ما كان على ما كان، ليكون نظير «لا تنقض اليقين بالشكّ» [٢] فإنّ نقض اليقين السابق بالشكّ ممّا يربيك و يوقعك في شكّ فدعه، و عدم نقضه بالشكّ أو نقضه بيقين مثله ممّا لا يربيك و لا يوقعك في شكّ فلا تدعه. انتهى.
و لكن في إيراده الثاني- و هو عدم انطباق الحديث على المدّعى- نظر، لأنّ الموجب للريب و الشكّ هو العمل بطبق البراءة، لا نفس الاستناد إلى البراءة حتى يمنع إيجابه الشكّ، و الموجب لعدم الشكّ و الريب هو عدم العمل بطبق البراءة، فانطبق الحديث على المدّعى، إلّا انّه يبقى الإيراد الأوّل، إذ كما ينطبق
[١] لم نعثر على هذا اللفظ في أحاديثنا، راجع الوسائل ٨: ٤٢٢ ب «١٩». نعم، ورد هذا اللفظ في إحياء علوم الدين للغزالي ٣: ٣٦.
[٢] التهذيب ١: ٨ ح ١١، الوسائل ١: ١٧٤ ب «١» من أبواب نواقض الوضوء ح ١.