التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ١٣٤ - ردّ الشيخ البهائي عليهم في تلك المقالة
الكرم و الامتنان و لم يزل يصف تلك اللقمة و يذكرها و يعظّم شأنها و يشكرها، فلا شكّ في أنّ ذلك الشكر و الثناء يكون منتظما عند سائر العقلاء في سلك السخرية و الاستهزاء، فكيف و نعم اللّه بالنسبة إلى ذلك الملك؟ لا يحويها الإحصاء و لا يحوم حولها الاستقصاء، فظهر أنّ تقاعدنا عن شكر نعمائه تعالى مما يقتضيه العقل السليم و الكفّ عن حمد آلائه عزّ و علا مما يحكم بوجوبه الرأي القويم و الطبع المستقيم. انتهى.
[ردّ الشيخ البهائي عليهم في تلك المقالة]
قال البهائي في جوابهم- و لنعم ما قال-: لا يخفى على من سلك مسالك السداد و لم ينهج مناهج اللجاج و العناد أنّ لأصحابنا أن يقولوا: إنّ ما أوردتموه من الدليل و تكفّلتموه من التمثيل كلام مميل عليل لا يروي الغليل، و لا يصلح للتعويل؛ فإنّ تلك اللقمة لما كانت حقيرة المقدار في جميع الأنظار عديمة الاعتبار في كلّ الأقطار لا جرم صار الحمد و الثناء على ذلك العطاء منخرطا في سلك السخرية و الاستهزاء.
فالمثال المناسب لما نحن فيه أن يقال: إذا كان في زاوية الخمول و هاوية الذهول مسكين أخرس اللسان مسئوف الأركان مشلول اليدين معدوم الرجلين مبتلى بالأسقام و الأمراض محروما عن جميع المطالب و الأغراض، فاقد السمع و الأبصار لا يفرق بين السرّ و الجهار و لا يميّز بين الليل و النهار، بل عادم للحواسّ الظاهرة بأسرها عار عن المشاعرة الباطنة عن آخرها، فأخرجه الملك عن متاعب تلك الزاوية و مصاعب هاتيك الهاوية و منّ عليه بإطلاق لسانه و تقوية أركانه و إزالة خلله و إماطة شلله، و تلطّف بإعطائه السمع و البصر و تعطف بهدايته إلى جلب النفع و دفع الضرر، و تكرّر بإعزازه و إكرامه و فضّله على كثير من أتباعه و خدّامه، ثمّ إنّه بعد تخليص الملك له من تلك الآفات العظيمة و البليّات العميمة و إنقاذه من الأمراض المتفاقمة و الأسقام المتراكمة و إعطائه أنواع النعم الغامرة