التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٠٩ - تحرير محلّ النزاع
يدرك العقل حسنه و لا قبحه، بمعنى أن ليس فيه من الوجوه المحسّنة و لا المقبّحة حتى يدركه العقل، لا بمعنى أنه لا يحتمل فيه ذلك و لكن لا يدركه العقل كما توهّمه بعض [١]، بل نسب إلى ظاهر شارح الجواد حيث إنّه بعد ما ذكر أنّ بعض الأفعال ممّا يدرك العقل حسنها أو قبحها و قسّمها إلى الأحكام الخمسة قال: و ما لا يدرك العقل فيه حسنا و لا قبحا فقد اختلفوا في إباحتها و حظرها. و تبعه على ذلك صاحب الفصول [٢] بل نسبه إلى الأكثر.
فإنّ ظاهر هذا الكلام يقتضي أن يكون النزاع في ما جهله العقل، فكأنّ العلماء بعد ما فرغوا عن معلومات العقل شرعوا في بيان ما جهله العقل هل الحكم فيه الاباحة أو الحظر؟ و هذا غفلة عن محلّ النزاع. و يرشد إلى ما ذكرنا أنّ [٣] الحاظر إنّما تمسّك بأنّه تصرف في ملك الغير فكأنّ المانع ليس في نظره إلّا هذا فلو كان النزاع فيما لا يدرك العقل بالمعنى الذي ذكروه لكان لأحد أن يتمسّك بقاعدة دفع الضرر المحتمل.
و ممّا يؤيّد ذلك أنّ المحقق القمّي [٤] بعد ما قال: إن بعض الأفعال ممّا لا يدرك العقل فيه شيئا قال: و الأشاعرة يقولون بعدم إدراكه على طريق السلب الكلّي و لا شكّ أنّ السلب الكلّي عند الأشعري ليس إلّا لانتفاء الموضوع فإنّه يقول: ليس في ذات الافعال شيء يدركه العقل. و أيضا إنّ الحكم بالإباحة عند القائلين بها ليس من جهة كونه مجهول الحكم لأنهم يعلّلون الاباحة بأنّه شيء ذات منفعة خالية عن الضرر مأذون من الشارع فلا وجه لحرمته.
فهذا التعليل يرشد إلى أن مرادهم من المعلول أعني الإباحة هو الحكم
[١] راجع القوانين ٢: ٩.
[٢] الفصول: ٣٤٦ و ٣٤٩.
[٣] في النسخة: «ان انّ الحاظر» بتكرار «انّ».
[٤] القوانين ٢: ٨.