التعليقة على فرائد الأصول - قرجه داغي الكماري، محمد بن أحمد - الصفحة ٢٩٣ - هل اعتبار البراءة من باب الظنّ أو التعبّد
و لكن قد عرفت فيما تقدّم عدم اختصاص أدلّة البراءة في ما ذكر ممّا يكون موضوع الحكم فيه الشيء بوصف أنّه مجهول الحكم مع قطع النظر عن نفس ذلك الشيء و ثبوته في الواقع، بل له أدلّة أخر ممّا يكون موضوع الحكم فيه الشيء بوصف ثبوته في الواقع، كسائر الأدلّة الاجتهادية الناظرة و الحاكية عن الواقع، مثل قوله تعالى: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [١] و قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً [٢] فإنّها و إن لم تكن معلّلة بالتصريح، إلّا أنّها كالصريحة في الدلالة على عدم تحريم ما لا نصّ فيه بوصف عدم تحريمه في الواقع، لا بوصف أنّه مجهول الحكم، سيما بملاحظة تأكّد منطوق تلك الآيات بمفاهيم حصره المحرمات بقوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ [٣] الآية، و بقوله: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ [٤] الآية، إلى غير ذلك من الأدلّة الدالّة على أنّ الأشياء الغير المعلوم الحرمة مباحة في الواقع، لا في الظاهر فقط.
فيتوجّه به ما نسب إلى ظاهر جماعة، بل المشهور من كون البراءة من الأدلّة لا الاصول لوفاء الأدلّة به أيضا، كما عرفت.
فلا بد في جعلها من الأدلّة مضافا إلى ما عن القوانين [٥] من تصريحه بكون المراد من البراءة في مقابل الاخبارية أعمّ من البراءة بمعنى الأصل، و من قاعدة عدم الدليل دليل العدم، بمعنى الدليل.
و بالجملة: فبعد ظهور كلام القوم، مع ظهور بعض الأدلّة، مع تصريح
[١] البقرة: ٢٩.
[٢] الاعراف: ٣٢.
[٣] البقرة: ١٧٣.
[٤] الاعراف: ٣٣.
[٥] القوانين ٢: ١٤- ١٥.