أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٩٣ - التنبيه الثالث في جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة
فرق فيه بين الجهل بالصغرى و الكبرى [١].
و قد مرّ أنّه لا إشكال في محرّكية المجهول بل الإنسان و نوع البشر يتحرّك في الصناعات و التجارات و الزراعات في أكثر الموارد بالاحتمال بل قد يكون الانبعاث بمجرّد الوهم (أي الاحتمال المرجوح) كما إذا كان في طلب ضالّته.
هذا كلّه بناءً على مبنى القوم من أنّ القاعدة عقلية، و أمّا بناءً على ما اخترناه من أنّها عقلائيّة فلا يبعد عدم بناء العقلاء على البراءة في الشبهات الموضوعيّة خصوصاً في الموضوعات الهامّة، فإذا قال المولى لعبده «احذر من أعدائي» مثلًا، فمن البعيد جدّاً بناء العقلاء على قبح عقاب العبد فيما إذا لم يحذر من مشكوك العداوة، و الظاهر أنّه لا فرق في ذلك بين الدماء و الفروج و غيرها.
أمّا البراءة النقلية: فلا إشكال في جريانها في الشبهات الموضوعيّة لأنّه القدر المتيقّن من أكثر أدلّتها، و أمّا تفصيل المحقّق الخراساني (رحمه الله) بين ما كان من قبيل العام الإفرادي و المجموعي، فقد أورد عليه بأنّ مقتضى القاعدة جريان البراءة في كلا القسمين من كلامه، لما سيأتي من عدم وجوب الاحتياط حتّى في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، و لا إشكال في رجوع القسم الثاني إلى الأقل و الأكثر الارتباطيين، و الحقّ فيه الانحلال.
إن قلت: إنّ الإشكال مبنائي لأنّ مبنى المحقّق الخراساني (رحمه الله) في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين هو الاحتياط.
قلنا: سيأتي إنّه قائل بجريان البراءة الشرعيّة و إن كان حكم العقل عنده الاحتياط، فالنتيجة النهائيّة عنده في مقام العمل هى البراءة، و هى تخالف ما اختاره في المقام.
نعم هاهنا صورة ثالثة تقتضي القاعدة الاحتياط فيها و لعلّها كانت مورد نظر المحقّق الخراساني (رحمه الله) و هى ما إذا كان المأمور به أمراً بسيطاً يتحقّق بإتيان مجموع التروك مقدّمة، فيرجع الشكّ في المصداق المشكوك إلى الشكّ في المحصّل الذي لا إشكال في أنّ مقتضى الاشتغال اليقيني فيه البراءة اليقينية، و حينئذٍ الأصل الجاري إنّما هو الاحتياط و قاعدة الاشتغال لا البراءة (و إن كانت عبارته قاصرة عن أداء هذا المعنى).
[١] راجع أجود التقريرات: ج ٢، ص ٢٠٠.