أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٨١ - المقام الثاني في أدلّة المسألة
٤- ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) من «أنّ هذه الأخبار مسوقة لبيان أنّ البلوغ يحدث مصلحة في العمل بها فيكون البلوغ كسائر العناوين الطارئة على الأفعال الموجبة لحسنها و قبحها و المقتضية لتغيير أحكامها، كالضرر و العسر و النذر و الإكراه و غير ذلك من العناوين الثانوية، فيصير حاصل معنى قوله ٧ «إذا بلغه بعد حمل الجملة الخبرية على الإنشائيّة هو أنّه يستحبّ العمل عند بلوغ الثواب عليه كما يجب العمل عند نذره، فيكون مفاد الأخبار حجّيه قول المبلّغ و أنّ ما أخبر به هو الواقع، فيترتّب عليه كلّ ما يترتّب على الخبر الواجد للشرائط» [١].
أقول: إنّ معنى هذا الكلام قبول دلالة الأخبار على الاستحباب لعدم الفرق بين أن نستفيد منها الحجّية الاصوليّة أو الاستحباب في مسألة فقهيّة و لا تترتّب عليه ثمرة غير ما سيأتي ذكره في التنبيهات، فليس هذا إشكالًا على دلالة أخبار من بلغ.
٥- ما ذهب إليه في تهذيب الاصول و هو: «أنّ الظاهر من هذه الأخبار أنّ وزانها وزان الجعالة، بمعنى وضع الحكم على العنوان العام ليتعقّبه كلّ من أراد، فكما أنّ تلك، جعل معلّق على ردّ الضالّة، فهذا أيضاً جعل متعلّق على الإتيان بالعمل بعد البلوغ برجاء الثواب.
توضيحه: أنّ غرض الشارع لما تعلّق على التحفّظ بعامّة السنن و المستحبّات و يرى أنّ الاكتفاء في طريق تحصيلها بالطرق المألوفة ربّما يوجب تفويت بعضها، فلأجل ذلك توصّل إلى مراده بالحثّ و الترغيب إلى إتيان كلّ ما سمع عن الغير الذي يحتمل كونه ممّا أمر به رسول اللَّه ٦ و أردف حثّه باستحقاق الثواب و ترتّب المثوبة على نفس العمل حتّى يحدث في نفس المكلّف شوقاً إلى الإتيان، لعلمه بأنّه يثاب بعمله طابق الواقع أو خالف ... و مما ذكرنا يظهر إنّ استفادة الاستحباب الشرعي منها مشكل غايته، للفرق الواضح بين ترتّب الثواب على عمل له خصوصيّة و رجحان ذاتي فيه كما في المستحبّات و بين ترتّب الثواب على الشيء لأجل إدراك المكلّف ما هو الواقع المجهول كما في المقام، كما أنّ جعل الثواب على المقدّمات العلمية لأجل إدراك الواقع لا يلازم كونها اموراً استحبابيّة و كما أنّ جعل الثواب على المشي في طريق الوفود إلى اللَّه أو إلى زيارة الإمام الطاهر الحسين بن علي ٨ لأجل الحثّ إلى زيارة بيت اللَّه
[١] فوائد الاصول: ج ٣، ص ٤١٤ و ٤١٥، طبع جماعة المدرّسين.