أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٧٥ - التنبيه الثاني في حسن الاحتياط، و ترتّب الثواب عليه، و إمكان الاحتياط في العبادات
في عرفات أو الهرولة في مناسك الحجّ أو غسل الوجه و اليدين في الوضوء أو الإمساك عن الأكل و الشرب في الصيام، و من هذا النوع ما تكون العبادة ذاتيّة له كالسجود الذي يكفي فيه مجرّد قصد العمل بعنوان السجدة بخلاف غيره من العبادات التي تتميّز عن سائر الأفعال بقصد القربة، و من دونه لا تتحقّق بعنوان العبادة، كما أنّ عباديتها تحتاج إلى كون العمل حسناً و محبوباً ذاتاً.
و بالجملة لا بدّ في عبادية العمل من تحقّق أمرين: أحدهما: كون العمل محبوباً للَّه تعالى، و الثاني: كون الباعث إليه التقرّب إليه سبحانه، فتكون العبادة مركّبة منهما، و لا إشكال في حصول هذين في العبادات الاحتياطيّة، معه لا حاجة إلى أمر وراء ذلك.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) أفاد في المقام بأنّه إذا احتاط المكلّف و أتى بالعمل بقصد الرجاء فإن أصاب الواقع فيقع العمل عبادة، و إن خالف الواقع فيترتّب عليه الثواب لأنّه انقياد و إطاعة حكميّة.
و ذكر المحقّق الأصفهاني (رحمه الله) في ذيل كلامه إشكالًا، و هو أنّ المعلول الفعلي يتوقّف على علّة فعلية، و لا يكفيه العلّة التقديرية، فالحركة نحو الفعل لا يعقل استنادها إلى الأمر على تقدير ثبوته بل لا بدّ من استنادها إلى شيء محقّق، و ليس في البين إلّا احتمال الأمر، فإنّه شيء فعلي، فلو صار الفعل قربيّاً فإنّما يصير به لا بالأمر على تقدير ثبوته، و هل هو إلّا الانقياد لا أنّه إطاعة تارةً و انقياد اخرى.
و أجاب عنه بنفسه بأنّ: «الأمر بوجوده الواقعي لا يكون محرّكاً أبداً ضرورة إنّ مبدأ الحركة الاختياريّة هو الشوق النفساني، فلا بدّ له من علّة واقعة في النفس، فلا بدّ من كون الأمر بوجوده الحاضر للنفس داعياً و محرّكاً دائماً، و كما أنّ الأمر الحاضر للنفس المقترن بالتصديق الجزمي قابل للتأثير في حدوث الشوق، كذلك الأمر الحاضر المقترن بالتصديق الظنّي أو الاحتمالي، فإذا كان التصديق القطعي موافقاً للواقع كانت الصورة الحاضرة من الأمر صورة شخصية، فينسب الدعوة بالذات إلى الصورة و بالعرض إلى مطابقها الخارجي، و إذا لم يكن التصديق القطعي موافقاً للواقع كانت الصورة الحاضرة صورة مثله المفروض، فلا شيء في الخارج حتّى تنسب إليه الدعوة بالعرض، فيكون انقياداً محضاً لا امتثالًا و إطاعة للأمر و انبعاثاً عنه، فكذا الأمر المظنون أو المحتمل، فالأمر المظنون أو المحتمل هو الداعي، و هذه