أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٧ - التنبيه الأوّل اشتراط عدم وجود أصل موضوعي (و هو من أهمّها)
موضوعي ينقّح حال الموضوع، و إلّا فلو كان في المقام أصل جارٍ من ناحية الموضوع لكان حاكماً على الأصل الحكمي سواء في الشبهة الموضوعيّة أم الحكميّة، فالأولى نظير استصحاب عدم ذهاب ثلثي العصير العنبي فيما إذا شككنا في ذهاب الثلثين و عدمه، فهو حاكم على أصالة الإباحة و مانع عن جريانها، لأنّه بمنزلة الأصل السببي و أصالة الإباحة أصل مسبّبي، و سيأتي البحث عنهما و لزوم تقديم الأوّل على الثاني، و الثانية نظير استصحاب جلل الحيوان فيما إذا شككنا في أنّ استبراء الجلال يتحقّق عند الشارع بسبعة أيّام أو بعشرة أيّام، فهو حاكم على أصالة الحلّية لنفس العلّة، و هى أنّ الشكّ في الحلّية مسبّب عن الشكّ في بقاء الجلل و عدمه.
فاستصحاب بقاء الجلل أصل سببي و أصالة الحلّية أصل مسبّبي.
و من هنا يظهر أنّ المراد من الموضوع في قولك: «الأصل الموضوعي» في المقام ما هو في مقابل الحكم سواء كان موضوعاً جزئيّاً كما في المثال الأوّل في الشبهة الموضوعيّة، أو موضوعاً كلّياً كما في المثال الثاني في الشبهة الحكميّة، فليس المراد منه الموضوع الخارجي حتّى يكون جزئياً في جميع الموارد و تكون الشبهة موضوعيّة دائماً.
كما يظهر ضعف ما أفاده المحقّق النائيني (رحمه الله) في المقام حيث قال: إنّ المراد من الأصل الموضوعي في ما نحن فيه ليس خصوص الأصل الجاري في الموضوع مقابل الحكم الشرعي، بل كلّ أصل محرز متكفّل للتنزيل يكون حاكماً على أصالتي البراءة و الاشتغال، و قال في صدر كلامه: «و نعني ب (الأصل المتكفّل للتنزيل) أن يكون مفاد الأصل إثبات المؤدّى بتنزيله منزلة الواقع بحسب الجري العملي سواء كان المؤدّى موضوعاً خارجياً أو حكماً شرعيّاً» [١].
أقول: الظاهر انحصار هذا الأصل (المتكفّل للتنزيل على مبناه) في الاستصحاب، و أمّا وجه ضعف كلامه هذا أنّه ينتقض بجميع الموارد التي يقدم فيه الاستصحاب على البراءة مع عدم كونه أصلًا موضوعياً بالنسبة إليها و من قبيل السبب بالنسبة إلى مسبّبه، بل الوجه في تقدّمه عليها إنّما هو أخصّية أدلّة الاستصحاب بالنسبة إلى أدلّة البراءة (كما سيأتي في محلّه) نظير ما إذا شككنا في حلّية شيء مع العلم بأنّ حالته السابقة هى الحرمة فاستصحاب الحرمة
[١] راجع فوائد الاصول: ج ٣، ص ٣٨٠.