أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٠٣ - ٢- تقليد الأعلم
٢- تقليد الأعلم
إذا اختلفت العلماء في العلم و الفضيلة فهل يجب على العامي اختيار الأعلم، أو لا؟
المعروف بين الأصحاب وجوب تقليد الأعلم، بل حكي عن المحقّق الثاني (رحمه الله) دعوى الإجماع عليه، بل عن السيّد المرتضى (رحمه الله) أنّه من المسلّمات عند الشيعة، و مع ذلك كلّه حكي عن جماعة من المتأخّرين عدم وجوبه.
و هنا قول ثالث و هو مختارنا و مختار جماعة اخرى، و هو التفصيل بين ما علم إجمالًا أو تفصيلًا بوجود الخلاف فيه مع كونه محلًا للابتلاء فيكون تقليد الأعلم واجباً، و بين غيره من سائر الموارد فلا يكون واجباً، و لعلّ مقصود من يدّعي الإجماع في وجوب تقليد الأعلم إنّما هو الصورة الاولى فقط.
و كيف كان: لا إشكال في أنّ الأصل في المسألة هو عدم حجّية قول غير الأعلم لما مرّ في أوّل مبحث الظنّ من أنّ الأصل في موارد الشكّ في حجّية الظنون هو عدم الحجّية.
و إن شئت قلت: إنّا نعلم إجمالًا باشتغال الذمّة بعدّة من التكاليف الشرعيّة و الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة، و هى لا تحصل إلّا بالعمل بآراء الأعلم.
و من هنا يظهر بطلان كلام من توهم أنّ الأصل في المسألة هو الجواز من باب أنّ الأمر فيها يدور بين التعيين و التخيير، و الأصل فيه التخيير، فإنّ في التعيين كلفة زائدة تنفي بأصالة البراءة.
و ذلك لأنّ أصالة التخيير عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير إنّما هى في باب التكاليف أي فيما إذا كان الشكّ في أصل التكليف لا في ما إذا كان الشكّ في الحجّية، فإنّ أصالة التخيير في الواقع عبارة عن أصالة البراءة عن تلك الكلفة الزائدة الموجودة في التعيين، و لا إشكال في أنّ مجرى أصالة البراءة إنّما هى التكاليف.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه استدلّ على جواز تقليد غير الأعلم بأُمور:
الأمر الأوّل: أنّ المسألة من باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و قد مرّ بيانه و الجواب عنه آنفاً.
الأمر الثاني: قاعدة العسر و الحرج ببيان أنّ معرفة مفهوم الأعلم (و هل هو عبارة عن الأعلم بالاصول، أو الأعلم بالفروع و التفريعات، أو من هو أعلم في تشخيص المذاق العرفي