أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٦٠٢ - ١- جواز التقليد للعامي
التعبيرات الواردة في هذه الآيات ففي قوله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَ مَا تَهْوَى الأَنْفُسُ» [١] حيث جعل الظنّ قريناً لهوى الأنفس، كما أنّ في قوله تعالى: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلّا يَخْرُصُونَ» [٢] حيث جعل قريناً للخرص و التخمين بلا دليل.
و يشهد على ذلك أيضاً أنّ من ظنونهم ما جاء في قوله تعالى (قبل الآية الاولى من الآيتين المزبورتين) «أَ لَكُمْ الذَّكَرُ وَ لَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ» فقد نفت هذه المزعمة: أنّ لهم الذكر و للباري تعالى الانثى، لأنّه وهم غير معقول و لا يعتمد على الحجّة و الدليل، بل الدليل العقلي القطعي على خلافه.
و يؤيّد ذلك كلّه ما ذكرنا آنفاً من أنّ الظنون المعتبرة العقلائيّة تعدّ علماً عند العرف كما يساعد عليه وجداننا العرفي و ارتكازنا العقلائي.
و أمّا عن الطائفة الثانية: فهو واضح جدّاً، لأنّ التقليد على خمسة أقسام: تقليد الجاهل عن الجاهل، و تقليد العالم عن الجاهل، و تقليد العالم عن العالم، و تقليد الجاهل عن العالم الفاسق، و تقليد الجاهل عن العالم العادل، و لا إشكال في أنّ الأربعة الاول ممنوعة مذمومة عقلًا و شرعاً، و الجائز الممدوح منها هو القسم الأخير، كما لا إشكال في أنّ التقليد في مورد آيات هذه الطائفة إنّما هو تقليد الجاهل عن الجاهل، كما يشهد عليه قوله تعالى: «أَ وَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لَا يَهْتَدُونَ» الوارد في الآية الاولى منها.
و بهذا يظهر الجواب عن الروايات الناهية عن التقليد، فإنّها أيضاً أمّا وردت بالنسبة إلى تقليد الجاهل عن الجاهل، أو تقليد الجاهل عن العالم الفاسق، و كلاهما ممنوعان عند العقل و الشرع.
هذا كلّه في المقام الأوّل من البحث في أحكام التقليد.
[١] سورة النجم: الآية ٢٣.
[٢] سورة الأنعام: الآية ١١٦.