أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٨٥ - الأمر السابع تبدّل رأي المجتهد
و انقلابه إلى غيره، فإذا عدم الرأي كيف يمكن استصحاب آثاره، و هو أشنع من الاستصحاب عند تبدّل الموضوع و تغيّره.
الوجه السابع: ما استدلّ به بعض الأعلام على الإجزاء و عدم انتقاض الآثار السابقة بعد تقسيمه الأحكام إلى التكليفيّة و الوضعيّة، و حاصله:
أمّا أحكام الوضعيّة: بالمعنى الأعمّ فإنّها تتعلّق غالباً بالموضوعات الخارجيّة، و لا معنى لقيام المصلحة بها، بل المصلحة قائمة بالأمر الاعتباري، ففي عقد المعاطاة مثلًا المصلحة لا تقوم بالمال بل بالملكيّة الحاصلة من المعاطاة القائمة بالمال، فإذا أدّت الحجّة إلى أنّ المعاطاة مملّكة فقد وجدت المصلحة في جعل الملكيّة، فإذا قامت الحجّة الثانية على أنّ المعاطاة لا تفيد الملكية لم تكشف إلّا عن أنّ المسألة من لدن قيامها إنّما هى في جعل الإباحة في المعاطاة لا في جعل الملكية، فقيام الحجّة الثانية من قبيل تبدّل الموضوع.
و أمّا الأحكام التكليفيّة: فهى و إن كانت تابعة للمصالح و المفاسد في متعلّقاتها و يتصوّر فيها كشف الخلاف، إلّا أنّ الحجّة الثانية إنّما يتّصف بالحجّية بعد انقطاع الحجّة السابقة، فالحجّة الثانية لم تكن حجّة في ظرف الحجّية السابقة، و إنّما حجّيتها تحدث بعد سلب الحجّية عن السابقة، و إذا كان الأمر كذلك استحال أن تكون الحجّية المتأخّرة موجبة لانقلاب الأعمال المتقدّمة عليها، (انتهى ملخّصاً) [١].
و فيه: أوّلًا: أنّه (قدس سره) هل يتكلّم على مبنى القائلين بالسببيّة في حجّية الأمارات أو الطريقيّة؟ من الواضح أنّه لا يقول بالأوّل، و أمّا على الثاني فالحجج الشرعيّة لا تكشف عن المصالح الواقعيّة لأنّها تتضمّن أحكاماً ظاهريّة فحسب، و المصلحة السلوكيّة لا توجب الاجزاء، فما ذكره من أنّ المصلحة حاصلة في عقد المعاطاة بعد قيام الحجّة أمر غريب على مبناه، و قوله: «إذا أدّت الحجّة إلى أنّ المعاطاة مملّكة فقد وجدت المصلحة في جعل الملكية في المعاطاة» نفس القول بالسببية من دون تفاوت.
و أمّا دعوى الاستحالة في كون الحجّية المتأخّرة موجبة لانقلاب الأعمال المتقدّمة في الأحكام التكليفيّة فهو أغرب منه، فإنّ الأعمال المتقدّمة لم تثبت صحّتها واقعاً و إنّما ثبتت
[١] راجع التنقيح في شرح العروة الوثقى: ج ١، ص ٥٤- ٥٦.