أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٧٨ - و أمّا القسم الثاني و هو التصويب المعتزلي
تعلموا»، و مما يؤكّد هذا المعنى ما مرّ كراراً من أنّ الأمارات الشرعيّة جلّها- لو لا كلّها- امضاءات لبناءات العقلاء، و لا إشكال في أنّها طرق إلى الواقع عندهم فقط.
و أمّا القسم الرابع: و هو أنّ يكون المراد من التصويب جعل أحكام ظاهريّة مماثلة لمؤدّيات الطرق و الأمارات فقد قلنا سابقاً أنّه هو الصحيح المختار، بل لا يسمّى هذا تصويباً.
و الدليل عليه: أنّ أدلّة حجّية الأمارات ظاهرة في الجعل و الإنشاء، و ليس مفادها مجرّد المنجّزية أو المعذّرية، و الشاهد عليه هو السيرة العمليّة للفقهاء و ارتكازهم الفقهي و المتشرّعي، حيث إنّهم يعبّرون في رسائلهم العمليّة عن مؤدّيات الأمارات بالواجب و الحرام، و يحكمون بأنّ هذا واجب و ذاك حرام، لا أنّك معذور إن كان هذا حراماً و لست معذوراً إن كان هذا واجباً.
و لكن- كما عرفت- فإنّ تسمية هذا بالتصويب خلاف الاصطلاح، لأنّ مصطلح الفقهاء فيه إنّما هو في الأحكام الواقعيّة.
ثمّ إنّه قد مرّ في أوائل البحث عن أقسام التصويب في ذيل هذا القسم، أنّه قد يكون في سلوك هذه الطرق مصالح أهمّ من المصالح الواقعيّة التي تفوت المكلّف، و هى التي يعبّر عنها بالمصالح السلوكيّة، و بهذا يندفع ما أورد على حجّية الأمارات من أنّ لازمه تفويت المصلحة أو القاء العبد في المفسدة كما لا يخفى.
نعم، قد استشكل بعض الأعلام في المحاضرات في هذا القسم (و بتعبير آخر في هذا المعنى للسببية، و بتعبير ثالث في المصلحة السلوكيّة) من جهتين:
الاولى: «أنّه لا ملزم للالتزام بهذه المصلحة لتصحيح اعتبار الأمارات و حجّيتها (و دفع الإشكال المزبور) و السبب في ذلك أنّ اعتبار الأمارات من دون أن ترتّب عليه مصلحة و إن كان لغواً فلا يمكن صدوره من الشارع الحكيم، إلّا أنّه يكفي في ذلك ترتّب المصلحة التسهيلية عليه، حيث إنّ تحصيل العلم الوجداني بكلّ حكم شرعي لكلّ واحد من المكلّفين غير ممكن في زمان الحضور فضلًا عن زماننا هذا، و لو أمكن هذا فبطبيعة الحال كان حرجيّاً لعامّة المكلّفين في عصر الحضور فما ظنّك في هذا العصر، و من الواضح أنّ هذا منافٍ لكون الشريعة