أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٦١ - الأمر الخامس مباني الاجتهاد
هذا مضافاً إلى ما قد مرّ سابقاً من وجوب الاقتصار على المرجّحات المنصوصة (و ليس هذا منها).
نعم، هاهنا أبحاث من علم المعاني و البيان كمسألة تقديم ما حقّه التأخير، و أبواب المجاز و الحقيقة و الكنايات و الاستعارات، يكون لها دخل في فهم الأحكام عن الأدلّة اللفظيّة، و لكنّها مسائل يبحث عنها في علم الاصول أيضاً، و أمّا غيرها من سائر مسائل هذا العلم فلا أثر لها في الاستنباط، نعم قد يقال: إنّ لها أثراً مع الواسطة من حيث دخلها في تبيين كون كتاب اللَّه معجزة خالدة.
بقي هنا أمران:
الأوّل: لا شكّ في أنّ القواعد الفقهيّة لها دور عظيم في استنباط الأحكام الفرعيّة، و لعلّ عدم ذكرها في العلوم التي يبتني عليها الاستنباط من باب عدّهم إيّاها من الفقه نفسه، و لكن قد ذكرنا في محلّه أنّها علم برأسه و ليست من اصول الفقه، كما أنّها ليست من الفقه نفسه فراجع [١].
الثاني: لا ينبغي الشكّ في أنّ للزمان و المكان دخلًا في الاجتهاد.
و توضيحه: أنّ لكلّ حكم موضوعاً، و المعروف في الألسنة أنّ تشخيص الموضوع ليس من شئون الفقيه، و لكن الصحيح أنّه لا يمكن للفقيه تجريد الذهن و تفكيك الخاطر عنه، فإنّ لموضوعات الأحكام مصاديق معقّدة غامضة لا يقدر العوام على تشخيصها، بل لا بدّ للفقيه تفسيرها و تبيين حدودها و خصوصياتها، كما يشهد على ذلك أنّ كثيراً من الفروعات المعنونة في الكتب الفقهيّة (كالمبسوط للشيخ، و القواعد للعلّامة، و العروة الوثقى للسيّد اليزدي رحمهم الله) هى من هذا القبيل.
و إن شئت قلت: إن كان المراد من الموضوع في المقام هو الموضوعات الجزئيّة، أي مصاديق الموضوعات الكلّية للأحكام، كمصاديق الدم و الخمر و الماء المطلق و المضاف
[١] راجع مقدّمة المجلّد الأوّل من القواعد الفقهيّة.