أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٢٣ - الأمر الأوّل في أنّ الشهرة على أقسام الروائيّة و الفتوائيّة و العمليّة
و استدلّ القائلون بترجيح المخالف (القول الثاني) بأنّ المحتاج إلى البيان من جانب الشارع إنّما هو في الغالب ما يكون مخالفاً للأصل، و هو الوجوب أو الحرمة، إذ إنّ المباح الموافق للبراءة أو أصالة الاباحة لا يحتاج إلى بيان غالباً، و هذا ما يوجب حصول الظنّ بأنّ ما صدر من جانب الشارع إنّما هو المخالف للأصل لا الموافق.
و الجواب عنه: أنّه أيضاً مبنى على التعدّي من المرجّحات المنصوصة، و إلّا لا حجّية لمثل هذا الظنّ في مقام الترجيح.
فظهر أنّ الصحيح هو القول الثالث بعد عدم وجود الدليل على ترجيح الموافق أو المخالف.
بقي هنا امور:
الأمر الأوّل: في أنّ الشهرة على أقسام: الروائيّة و الفتوائيّة و العمليّة
أمّا الشهرة الروائيّة فهى اشتهار الرواية بين الرواة و المحدّثين.
و أمّا الشهرة الفتوائيّة فهى عبارة عن فتوى المشهور بشيء و إن كانت الرواية فيه شاذّة.
و أمّا الشهرة العمليّة فهى عبارة عن نفس السيرة العمليّة للمتشرّعة و أصحاب الأئمّة.
و لا إشكال في أنّ النسبة بين الأوّل و الثاني هى العموم من وجه، فقد تتحقّق الشهرة الروائية بالنسبة إلى خبر و تكون فتوى الأصحاب أيضاً على طبقه، و قد تتحقّق الشهرة الروائيّة من دون الفتوى على طبقها، و قد تكون القضية بالعكس، أي تكون الفتوى مطابقة لرواية مع عدم شهرتها روائية.
كما لا إشكال في أنّ النسبة بين الأوّل و الثالث أيضاً العموم من وجه، فقد تكون رواية مشهورة بين الرواة و المحدّثين، و معمولًا بها عند الأصحاب و المتشرّعة، و قد تكون الرواية مشهورة من دون العمل على طبقها، و قد يكون عمل المتشرّعة مطابقاً لرواية من دون شهرتها بين المحدّثين.
نعم، النسبة بين الثاني و الثالث هى العموم المطلق، فإنّ فتوى الأصحاب بشيء يلازم عملهم و عمل المتشرّعة على طبقه، بينما قد يكون عمل المتشرّعة على رواية من دون فتوى