أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٢٢ - الفصل الخامس في المرجّحات الخارجيّة
و أمّا القسم الخامس: فهو نظير ما إذا دلّت رواية على حرمة المواقعة قبل الغسل و بعد انقطاع الدم، و دلّت رواية اخرى على جوازها، فهل تقدّم الاولى على الثانية لكونها موافقة مع استصحاب الحرمة، أو لا؟ فيه ثلاثة أقوال:
١- تقديم الموافق للأصل، و هذا ما نسب إلى المشهور، و يشهد عليه أنّهم في الفقه يعتبرون الموافقة مع الأصل من المرجّحات للأحكام.
٢- تقديم المخالف للأصل، و هذا أيضاً منسوب إلى المشهور، و يشهد عليه ما كان يعنون سابقاً في الاصول من أنّه إذا دار الأمر بين الناقل و المقرّر كان الترجيح للناقل (المخالف للأصل) عند المشهور، بل قد يدّعي عليه الإجماع.
و يمكن دفع هذا التهافت (في النسبة إلى المشهور) بأنّ البحث عن الناقل و المقرّر مختصّ بالاصول العقليّة، و يبحث عنه عقيب البحث عن الحظر و الإباحة الذي هو من شقوق مبحث البراءة العقليّة، بينما النسبة الاولى إلى المشهور مرتبطة بالبراءة الشرعيّة.
٣- ما ذهب إليه جمع من الأعاظم منهم الشيخ الأعظم و المحقّق الخراساني و المحقّق النائيني (رحمه الله)، و هو عدم مرجّحية الأصل مطلقاً لا المخالف و لا الموافق.
و استدلّ للقول الأوّل بوجهين:
أحدهما: أنّ مطابق الأصل مظنون، و كلّ ظنّ مرجّح، و اجيب عنه:
أوّلًا: بأنّ الأصل العملي لا يوجب ظنّاً بالحكم، حيث إنّه وظيفة عملية للشاكّ فحسب.
و ثانياً: سلّمنا، و لكنّه مبنيّ على التعدّي من المرجّحات المنصوصة، و المختار عدمه كما مرّ، فكلّ من الصغرى و الكبرى لهذا الوجه ممنوعة.
ثانيهما: أنّ الأخذ بموافق الأصل يوجب تخصيص دليل واحد، و هو أدلّة حجّية خبر الواحد بالنسبة إلى الدليل المخالف، و لكن الأخذ بمخالف الأصل يوجب تخصيص دليلين:
و هما أدلّة حجّية خبر الواحد و أدلّة حجّية الأصل، و لا إشكال في أولوية الأوّل.
و الجواب عنه واضح، و هو أنّ الاصول ليست في رتبة الأمارات حتّى يوجب الأخذ بالخبر المخالف (و هو أمارة من الأمارات) تخصيص أدلّة حجّية الأصل، أعني أنّه مع الأخذ بالخبر المخالف لا تصل النوبة إلى الاصول حتّى يلزم تخصيص أدلّتها، بل إنّها خارجة حينئذٍ تخصّصاً أو من باب الورود أو الحكومة.