أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٩ - الفصل الخامس في المرجّحات الخارجيّة
و ثانياً: قد ذكرنا في محلّه في المكاسب الحرمة في باب الكذب: أنّ التورية لا تجري في كلّ كلام، بل تجري فيما إذا كان الكلام محتملًا لمعنيين ذاتاً، غاية الأمر أنّ ذهن السامع ينصرف إلى أحدهما مع أنّ المتكلّم أراد المعنى الآخر، كما إذا قال صاحب الدار (في جواب من سئل عنه بقوله «أزيد في الدار»): ليس هو هنا، و أراد منه وراء الباب لا مجموع الدار، و نظير قول سعيد بن جبير في الجواب عن سؤال الحجّاج، «أنت عادل قاسط» حيث أراد من «عادل» من عدل عن التوحيد مشيراً إلى قوله تعالى: «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» [١] فإنّ له معنيين، و من «قاسط» معنى الظلم لأنّه من الأضداد، و إن انصرف الذهن منهما إلى معنى العدالة، و نظير قول بعض العلماء (في الجواب عن سؤال: خير الورى بعد النبي من هو؟ في تلك القصّة المعروفة):
من بنته في بيته، فأراد من الضمير النبي ٦ فينطبق على أمير المؤمنين علي ٧، و لعلّه كان المنصرف إلى الذهن في ذلك الزمان رجوع الضمير الثاني إلى رسول اللَّه ٦ فينطبق على الخليفة الأوّل.
و يتفرّع على ذلك عدم كون التوراة داخلة في أنواع الكذب، كما يتفرّع عليه أنّ التورية لا تجري في كلّ كلام و في كلّ مقام، بل لها موارد خاصّة، و حينئذٍ لا يمكن القول باحتمال التورية في جميع موارد التقيّة.
هذا، و تمام الكلام في محلّه في المكاسب المحرّمة.
الفصل الخامس: في المرجّحات الخارجيّة
جعل الشيخ الأعظم (رحمه الله) مجموع المرجّحات على قسمين: داخليّة و خارجيّة، فالداخلية عبارة عن كلّ مزية غير مستقلّة بنفسها، و هى على ثلاثة أقسام مرّ ذكرها تفصيلًا، و الخارجيّة عبارة عن كلّ مزية مستقلّة بنفسها و لو لم يكن هناك خبر أصلًا، و هى على خمسة أقسام:
١- ما لا تكون معتبرة لتعلّق النهي بها، و هى الأمارات الظنّية غير المعتبرة المنهي عنها كالقياس.
[١] سورة الأنعام: الآية ١.