أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥١٢ - الفصل الثالث في انقلاب النسبة
أحدهما: هل التخصيص يتعلّق بالإرادة الجدّية، أو الإرادة الاستعماليّة؟ و توضيحه: أنّ للفظ إرادتين: إرادة استعماليّة و هى ما يستعمل فيه اللفظ، و إرادة جدّية و هى ما يكون المقصود من الاستعمال، و السؤال هنا هو أنّ متعلّق التخصيص هل هو الإرادة الجدّية، أو الإرادة الاستعماليّة؟
المعروف و المشهور أنّه يتعلّق بالإرادة الجدّية، و لذلك لا يلزم منه مجاز، لأنّ باب المجاز و الحقيقة باب اللفظ و ما استعمل فيه اللفظ لا المعنى و المراد، و قد مرّ البحث عنه تفصيلًا في مباحث العام و الخاصّ تحت عنوان «التخصيص بالمنفصل إنّما هو في الإرادة الجدّية لا الإرادة الاستعماليّة» و هو المختار هناك.
ثانيهما: هل المعيار في تعارض الدليلين هو الإرادة الاستعماليّة أو الإرادة الجدّية؟
لا إشكال في أنّ الميزان في التعارض إنّما هو الإرادة الاستعماليّة، لأنّ الدليلين يتعارضان و يتضادّان في ظهورهما الاستعمالي و اللفظي كما هو واضح.
ثمّ بعد ملاحظة هاتين النكتتين يظهر لنا أنّه لا وجه لانقلاب النسبة، لأنّ تخصيص العام بالخاصّ الأوّل إنّما هو في الإرادة الجدّية و لا ربط له بالإرادة الاستعماليّة، و حينئذٍ يبقى الظهور الاستعمالي للعام على حاله الذي كان هو المعيار في التعارض، و لا بدّ بعد التخصيص بالخاصّ الأوّل من ملاحظة النسبة بين الخاصّ الثاني و هذا الظهور الاستعمالي للعام الباقي على قوّته.
و الذي يؤيّد ذلك هو سيرة الفقهاء العمليّة في الفقه، فإنّهم لا يلاحظون تاريخ الخصوصيّات و لا يقدّمون التخصيص بأحد الخاصّين على التخصيص بالخاصّ الآخر بل يخصّصون العام بكليهما في عرض واحد.
نعم، قد يستثنى منه ما إذا كانت المخصّصات بمقدار من الكثرة يوجب الاستهجان عرفاً، فيكون النسبة بين الخصوصات و العام من قبيل المتباينين، فربّما يكون طريق الجمع فيه إسقاط العام عن ظهوره في الوجوب أو الحرمة و حمله على الاستحباب أو الكراهة.
ثمّ إنّ جماعة من الأعلام أشاروا إلى أمرين آخرين:
أحدهما: هو البحث عن مسألة الضمان في عارية الذهب و الفضّة التي هى من موارد تعارض أكثر من دليلين و من مصاديقه و تطبيقاته، و لكننا نتركه إلى محلّه في الفقه لأنّه بحث فقهي خاصّ لا يليق إلّا بالفقه كما لا يخفى على الخبير.