أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٥٠ - الثالث دليل العقل
كان الضرر المحتمل مهمّاً بلزوم الدفع كضرر النفس أو العرض أو المال الكثير فلا محالة يستكشف منه حكم شرعي مولوي بلزوم الاجتناب عنه بقاعدة الملازمة، و يصير هذا بنفسه بياناً يرفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان و تكون قاعدة دفع الضرر المحتمل في مثل هذا المورد واردة على هذه القاعدة، و لكن لا تجري هذه القاعدة بالنسبة إلى الأضرار غير المهمّة، فلا يثبت بها مراد المستشكل، هذا بناءً على مبنى القول من كونها قاعدة عقليّة، و أمّا بناءً على ما اخترناه من كونها قاعدة عقلائيّة فالأمر أوضح لأنّ بناء العقلاء جارٍ على عدم الاعتناء باحتمال الضرر إلّا أن يكون ضرراً هامّاً كما مرّ نظيره في حكم العقل بناءً على مبنى القوم.
و أمّا الصغرى: فلوجود الملازمة بين المفسدة و الضرر و بين المصلحة و المنفعة في جميع الموارد، و العجب من مثل شيخنا الأعظم الأنصاري (رحمه الله) حيث قال بعدمها في البحث عن قاعدة لا ضرر، لأنّ مثل الإنفاق في سبيل اللَّه يوجب رفع العداوة و البغضاء و دفع الفوضى في المجتمع الإنساني، و عدم الإنفاق و بالنتيجة وجود الفقر يوجب اختلال النظام و هلاك جميع الأفراد حتّى الممتنع من الإنفاق و ضياع جميع الأموال حتّى أموال الممتنع.
و لذلك قد ورد في الحديث: «حصّنوا أموالكم بالزكاة» و في حديث آخر «إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه» (و من المعلوم أنّه إذا باع آخرته بدنياه لا يمتنع عن أي جرم من السرقة و قتل النفوس و إضاعة الأموال و غيرها).
بقي هنا شيء:
و هو أنّ بعض الأعاظم أجاب عن الإشكال بالنقض «باتّفاق العلماء من الاصوليين و الأخباريين بل العقلاء أجمع على عدم لزوم الاجتناب عمّا يحتمل وجود المفسدة فيه في الشبهة الموضوعيّة و أنّه لو كان العقل مستقلًا بوجوب دفع المفسدة المحتملة كان الاحتياط واجباً فيها أيضاً إذ لا فرق بين الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة من هذه الجهة» [١].
و قال في تهذيب الاصول: «أضف إلى ذلك: أنّ الشبهة الموضوعيّة و الوجوبيّة مشتركتان مع الشبهة التحريميّة في هذه التوالي المدّعاة، فلو كانت للأفعال لوازم قهرية مؤذية لصاحبها
[١] راجع مصباح الاصول: ج ٢، ص ٢٨٨.