أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٨٤ - أخبار التخيير
الأمر الرابع: هل التخيير بدوي أو استمراري؟ و المراد من التخيير البدوي أنّه لو اختار مثلًا وجوب صلاة الجمعة (عند تعارض الأخبار) لا بدّ من العمل بها ما دام عمره، و معنى التخيير الاستمراري أنّ له في المثال المذكور اختيار الجمعة في كلّ جمعة أراد، و اختيار صلاة الظهر كذلك طول عمره.
و الأقوال في المسألة ثلاثة:
١- ما حكي عن جماعة من المحقّقين من أنّ التخيير استمراري.
٢- ما يظهر من بعض كلمات شيخنا الأعظم (رحمه الله) من أنّه بدوي.
٣- بناء المسألة على المسألة السابقة، فإن قلنا بأنّ التخيير في المسألة الاصوليّة يكون التخيير هنا بدوياً، و إن قلنا بأنّ التخيير في المسألة الفقهيّة يكون التخيير هنا استمرارياً، و هذا ما ذهب إليه المحقّق النائيني (رحمه الله) في فوائد الاصول.
و استدلّ للقول الأوّل بوجهين:
أحدهما: إطلاقات أخبار التخيير، فإنّ التعبير ب «فموسّع عليك» أو «إذن فتخيّر» ظاهر في السعة الاستمراري و التخيير الدائمي.
ثانيهما: استصحاب التخيير الثابت في بدو الأمر على فرض الشكّ.
و استدلّ للقول الثاني أيضاً بوجهين (و هما في الواقع جواب عن ما استدلّ به للقول الأوّل):
أحدهما: أنّ الموضوع في أخبار التخيير هو التحيّر، و هو يرتفع بعد اختيار أحد الخبرين فلا يكون بعده مشمولًا لها، كما أنّه لا يجوز حينئذٍ استصحاب التخيير لتبدّل الموضوع.
ثانيهما: لزوم المخالفة القطعيّة التدريجية العمليّة من استمرار التخيير فإنّ المفروض كون التخيير ظاهرياً فيكون أحدهما مخالفاً للواقع قطعاً.
أقول: يمكن المناقشة في الوجه الأوّل بأنّ الموضوع في أخبار التخيير ليس هو عنوان المتحيّر بل الموضوع وجود خبرين متعارضين، و لا إشكال في أنّ التعارض دائمي.
و أمّا الوجه الثاني فهو تامّ في محلّه، و قد ذكرنا في محلّه أنّ المخالفة القطعيّة العمليّة للعلم الإجمالي حرام سواء كانت دفعيّة أو تدريجيّة، و لازم هذا الوجه كون التخيير بدوياً كما تشهد به مرفوعة زرارة لأنّها تأمر بالأخذ بأحد الخبرين و طرد الآخر حيث تقول «فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر» و لا إشكال في أنّ ظاهر طرد الآخر طرده مطلقاً، كما أنّ ظاهر الأخذ بأحدهما أخذه دائماً.