أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٦٨ - الفصل الأوّل في مقتضى الأصل الأوّلي في المتعارضين
الإكمال من ناحية البشر، بل أضعف ممّا يتداول في العصر الحاضر من وضع القوانين من ناحية الوكلاء المنتخبين من الناس فإنّ نتيجته قانون واحد لبلد واحد لا قوانين كثيرة بعدد آحاد الفقهاء، و لنعم ما قال مولانا أمير المؤمنين فيما روي عنه ٧ في نهج البلاغة في ذمّ الفتيا حيث قال: «ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه ثمّ ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم، فيصوّب آراءهم جميعاً و إلههم واحد و نبيّهم واحد و كتابهم واحد أ فأمرهم اللَّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه» [١].
و هو مخالف أيضاً لحديث الثقلين المتواتر بين الفريقين المانع عن ضلالة الامّة بصريحه، و خطبة النبي ٦ في حجّة الوداع: «أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة و يباعدكم عن النار إلّا و قد أمرتكم به و ما من شيء يقرّبكم إلى النار و يباعدكم عن الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه» [٢]، بل هو مخالف لقوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...» فإنّ الدين الكامل لا يحتاج في تشريعاته إلى أبناء البشر و اتّباع امّته، و الإنصاف أنّهم لم يقعوا في هذه المشكلة إلّا بترك الثقل الأصغر أعني أئمّة أهل البيت : فهذه جريمة مترشحة عن ذاك الجرم و نتيجة لذلك الإثم.
و على كلّ حال لا يخفى في أنّه بناءً على هذا المعنى للسببيّة تدخل الأمارات المتعارضة في باب التزاحم و يكون مقتضى القاعدة حينئذٍ التخيير (بناءً على كون المصلحة السلوكيّة فيما يكون أمارة اقتضائيّة، و أمّا إذا قلنا بأنّها ثابتة في الأمارة الفعليّة فتدخل في باب التعارض كما هو ظاهر).
٢- ما قال به المعتزلي و هو أنّ لنا واقعاً محفوظاً قد تصيبه الأمارة و قد تخطئ، و لكنّها في صورة الخطأ توجد مصلحة أقوى من مصلحة الواقع في مؤدّيها، فتوجب سقوط الواقع عن الفعلية و انقلاب الحكم الواقعي إلى مؤدّى الأمارة.
و هذا المعنى أيضاً أجمع الأصحاب على بطلانه، و يكون مقتضى القاعدة بناءً عليه هو التخيير (على تفصيل مرّ ذكره بين الحجّية الاقتضائيّة و الفعليّة) لأنّ الأخبار المتعارضة تدخل
[١] صبحي الصالح: خ ١٨.
[٢] اصول الكافي: ج ٢، ص ٧٤.