أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٢ - التنبيه التاسع عشر تعارض الاستصحابين
الحكومة، و أين هذا من الحكومة الظاهريّة التي لا يعتبر فيها إلّا كون الحاكم رافعاً لموضوع الآخر في عالم التشريع؟ فإنّ الدليل الواحد إذا كان له افراد كثيرة بعضها في طول الآخر و مسبّب عنه فلا محالة يكون شمول هذا الدليل للسبب رافعاً لما هو في طوله تشريعاً. و هذه الحكومة هى المدعاة في المقام دون الحكومة الواقعيّة المعتبر فيها نظر أحد الدليلين بمدلوله اللفظي إلى الدليل الآخر» [١].
أقول: الإنصاف أنّه ليس هناك إلّا قسم واحد من الحكومة، و هو أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى الآخر و مفسّراً له إمّا بمدلوله المطابقي أو التضمّني أو الالتزامي، و لا إشكال في أنّ هذا المعنى قد يحصل في دليل واحد إذ انحلّ إلى أحكام متعدّدة، فإذا كان الماء المشكوك طهارته داخلًا في عموم لا تنقض كان معناه ترتيب آثار الماء الطاهر عليه، فإذا سئل من آثاره يمكن أن يقال: إنّ من آثاره رفع النجاسة عن الثوب المغسول به، و هذا معنى النظر التزاماً.
و الحاصل: أنّه لا يعتبر في حكومة دليل على دليل آخر أن يكون الدليل الحاكم ناظراً إلى الدليل المحكوم بمدلوله المطابقي، بل يكفي فيها النظر بمدلوله الالتزامي، و لا إشكال في أنّ هذا المقدار من النظر لازم انحلال دليل واحد إلى أحكام متعدّدة، حيث إنّ المقصود من النظر (كما اعترف المحقّق النائيني (رحمه الله) نفسه) أن يكون أحدهما رافعاً لموضوع الآخر تعبّداً، و هذا حاصل بعد حصول الانحلال كما لا يخفى.
أمّا القسم الثاني: و هو ما إذا كان أحدهما في عرض الآخر كاستصحاب طهارة الإنائين مع العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما، فله أيضاً صورتان:
الاولى: ما إذا كانا في أطراف علم إجمالي بتكليف فعلي، فيلزم منهما المخالفة القطعيّة.
الثانية: ما إذا لم يكونا في أطراف علم إجمالي بتكليف فعلي، بحيث إذا جرى الاستصحاب في كليهما لم يلزم مخالفة قطعيّة.
أمّا الصورة الثانية: فالأقوال فيها ثلاثة:
[١] أجود التقريرات: ج ٢، ص ٤٩٦، طبعة مؤسسة مطبوعات ديني.