أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٣٤ - التنبيه التاسع عشر تعارض الاستصحابين
فلا يشمل اليقين الإجمالي لعدم تعلّقه بما تعلّق به اليقين الأوّل، بل تعلّق بعنوان أحدهما» [١].
أقول: بل يمكن أن يقال: إنّ الذيل لا يراد منه إلّا نفس ما اريد من الصدر، فهو توضيح و تفسير للصدر، حيث إنّه يفهم من نفس الصدر بقرينة المقابلة.
و إن شئت قلت: كما أنّ الشكّ هنا تفصيلي فالعلم المقابل له أيضاً تفصيلي فالعلم الإجمالي خارج عن نطاقه.
أضف إلى ذلك أنّه يمكن أن يقال: بانصراف أدلّة الاستصحاب عن موارد العلم الإجمالي، فهى مختصّة بموارد الشكّ البدوي الخالص فإنّ الشكّ في أطراف العلم الإجمال ليس شكّاً خالصاً بل شكّاً مشوب بالعلم.
و استدلّ المحقّق النائيني للتفصيل بين الاصول المحرزة و غير المحرزة و جريان الثاني (الاصول غير المحرزة) في أطراف العلم الإجمالي دون الأوّل بأنّ المجعول في الاصول المحرزة (كالاستصحاب و قاعدة الفراغ و التجاوز و أصالة الصحّة) هو البناء العملي على ثبوت الواقع في أحد طرفي الشكّ و تنزيله عملًا منزلة الواقع، و لا يخفى أنّ التعبّد ببقاء الواقع في كلّ واحد من أطراف العلم الإجمالي ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدها، و كيف يعقل الحكم ببقاء النجاسة مثلًا في كلّ واحد من الإنائين مع العلم بطهارة أحدهما؟ و مجرّد أنّه لا يلزم من الاستصحابين مخالفة عملية لا يقتضي صحّة التعبّد ببقاء النجاسة في كلّ منهما فإنّ الجمع في التعبّد ببقاء مؤدّى الاستصحابين ينافي و يناقض العلم الوجداني بالخلاف، و هذا بخلاف الاصول غير المحرزة فإنّه لمّا كان المجعول فيها مجرّد تطبيق العمل على أحد طرفي الشكّ فلا مانع من التعبّد بها في أطراف العلم الإجمالي إذا لم يلزم منها مخالفة عملية [٢].
و يرد عليه أوّلًا ما مرّ كراراً من أنّا لا نقبل تقسيم الاصول إلى المحرزة و غير المحرزة و لا نفهم له معنىً محصّلًا، فإنّ مفاد الدليل إذا كان هو التنزيل منزلة الواقع فهو أمارة (سواء أخذ الشكّ ظاهراً في موضوعه أم لم يؤخذ) و إن لم يكن مفاده كذلك فهو أصل عملي.
و ثانياً: سلّمنا، و لكن المقتضي و هو إطلاقات أدلّة الاستصحاب تامّ في كلا القسمين إذ إنّ
[١] مصباح الاصول: ج ٣، ص ٢٥٩، طبعة مطبعة النجف.
[٢] راجع فوائد الاصول: ج ٤، ص ٦٩٢ و ٦٩٣.